تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
مع رسول اللّه عليه السّلام « 1 » ، وهو في معنى النهي عن التخلف ، أي لا يكن لأهل المدينة والذين حول المدينة
( أَنْ يَتَخَلَّفُوا )
في الجهاد
( عَنْ رَسُولِ اللَّهِ )
وأن يكونوا أبر وأشفق بأنفسهم من نفس محمد عليه السّلام وأن يتركوا محبته ، بل ينبغي أن يلقوا أنفسهم في الشدائد كما يلقي نفسه علما منهم بأن نفسه أعز نفس عند اللّه ، فإذا تعرضت للخوض في شدة مع كرامتها وعزتها عنده وجب على سائر النفوس أن تتهافت فيما تعرضت نفسه
( وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ )
أي لا يختاروا بقاء أنفسهم على بقاء نفسه في الشدائد ، بل يتبعوه حيث ما يريد
( ذلِكَ )
أي النهي عن التخلف
( بِأَنَّهُمْ )
أي بسبب أنهم
( لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ )
أي عطش
( وَلا نَصَبٌ )
أي ولا تعب
( وَلا مَخْمَصَةٌ )
أي جوع
( فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً )
أي لا يدوسون « 2 » أرضا من أراضي الكفار من سهل أو جبل
( يَغِيظُ )
أي يحزن
( الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ )
أي ولا يصيبون
( مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا )
أي مصيبة من قتل أو غارة أو هزيمة
( إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ )
أي بكل واحد منها
( عَمَلٌ صالِحٌ )
أي ثوابه
( إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ )
[ 120 ] أي لا يبطل ثواب المجاهدين بالإخلاص ، فيه دليل على أن ما أصاب الرجل في دين اللّه من الشدة يكتب له بذلك أجر ، وبه استدل أبو حنيفة على أن المدد القادم بعد انقضاء المحاربة يشارك الجيش في الغنيمة « 3 » ، لأن وطء ديارهم يغيظهم ، وعند الشافعي لا يشاركهم فيها إلا بالحرب « 4 » .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 121 ]

وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 121 ) ثم قال
( وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً )
كتمرة ولقمة وعلاقة سوط في الجهاد
( وَلا كَبِيرَةً )
كما أنفق عثمان رضي اللّه من الجمال المجهزة وكانت ثلاثمائة
( وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً )
من الأودية بالدواب والمشي في طريق الغزو ومقبلين أو مدبرين
( إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ )
ثواب ذلك
( لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ )
يوم القيامة
( أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )
[ 121 ] لأنه يعطي بحسنة واحدة عشرة إلى سبعمائة وإلى ما لا يدرك حسابه .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 122 ]

وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( 122 ) قوله
( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً )
نزل حين وبخهم اللّه على ترك النفير إلى الجهاد ، فإذا أرسل الرسول عليه السّلام سرية إلى الغزو نفروا جميعا وتركوا الرسول عليه السلام وحده بالمدينة « 5 » ، فقال تعالى لا ينبغي للمؤمنين أن ينفروا جميعا ، فاللام زائدة لتأكيد نفي النفير بأسرهم ، و « ينفروا » خبر
« كانَ »
المنفي ، وإذا كان نفير الكل عن أوطانهم غير ممكن لأجل النبي عليه السّلام
( فَلَوْ لا نَفَرَ )
أي فهلا خرج
( مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ )
أي من كل جماعة « 6 » كثيرة
( مِنْهُمْ )
أي من المؤمنين
( طائِفَةٌ )
أي جماعة يسيرة إلى الغزو في دين اللّه ويقيم مع النبي طائفة أخرى منهم
( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ )
أي ليتعلموا « 7 » الشرائع والأحكام في دين اللّه من النبي عليه السّلام
( وَلِيُنْذِرُوا )
أي وليخوفوا ويعظوا
( قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا )
أي إذا رجع السرايا من الغزو
( إِلَيْهِمْ )
أي إلى الطائفة القاعدة الذين تعلموا القرآن النازل على النبي بعدهم ، فيعلمونهم إياه ويقولون إن اللّه أنزل على نبينا بعدكم كذا وكذا
( لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )
[ 122 ] أي يتعظون بما أمروا به ونهوا عنه ، ويخافون عقاب اللّه فيعملون به لا بخلافه ، وفيه دليل على أن أخبار الآحاد مقبولة يجب العمل بها ، لأن لفظ « الطائفة » يتناول الواحد فما فوقه ، وقيل : نزلت الآية تحريضا للمؤمنين أن ينفروا عن أوطانهم لطلب العلم النافع بصدق نية وغرض صحيح « 8 » ، وهو إنذار قومهم
هامش
( 1 ) لعل المصنف اختصره من السمرقندي ، 2 / 81 . ( 2 ) أي لا يدوسون ، ب س : أي لا يدرسون ، م . ( 3 ) في الغنيمة ، ب س : في القسمة ، م . ( 4 ) أخذه عن الكشاف ، 2 / 219 . ( 5 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 822 ؛ والواحدي ، 223 ؛ والبغوي ، 3 / 128 . ( 6 ) أي من كل جماعة ، س : أي جماعة ، ب م . ( 7 ) ليتعلموا ، ب س : ليعلموا ، م . ( 8 ) لعله اختصره من البغوي ، 3 / 129 .