بعيسى لكذبهم في مقالتهم بالإيمان به ، لأنه دعاهم إلى التوحيد بالرسالة وهم أشركوا باللّه نفسه
( وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ )
أي وحدوه وأطيعوه
( رَبِّي وَرَبَّكُمْ )
أي خالقي وخالقكم فلا تشركوا به شيئا
( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ )
ويمت « 1 » عليه
( فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ )
أي دخولها ، لأنها دار الموحدين
( وَمَأْواهُ النَّارُ )
أي مقره ومصيره نار جهنم
( وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ )
[ 72 ] أي ليس للمشركين مانع يمنعهم من العذاب ، وهو تعيير لهم فيما يعتقدون أن لهم أنصارا بالإيمان بعيسى وقولهم إنه هو اللّه ، قيل : إن هذه الجملة تجوز أن تكون « 2 » من كلام اللّه على معنى أنهم كذبوا وعدلوا عن سبيل الحق فيما يقولون « 3 » على عيسى وخالف قولهم قوله لهم فيعذبون في الآخرة ، وأن يكون من كلام عيسى على معنى أن ما قالوه بعيد عن العقول ، فلا ينصرهم أحد على ما يقولون يوم القيامة « 4 » .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 73 ]
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 73 )
ثم بين حال الفريق الآخر من النصارى بقوله
( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ )
أي ثلاثة آلهة ، يعنون اللّه وعيسى ومريم ، فرد عليهم بقوله
( وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ )
وهو اللّه ، و
« مِنْ »
فيه لاستغراق الجنس لتأكيد النفي ، ثم هددهم بقوله
( وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا
عن ما
يَقُولُونَ )
أي إن لم يتوبوا عن مقالتهم الباطلة
( لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ )
[ 73 ] أي وجيع دائم إن أقاموا على كفرهم ، واللام فيه لام القسم المحذوف قبله ، ولم يقل ليمسنهم ليكون التسجيل عليهم بالكفر بتكرير الشهادة به ، وإنما قال « منهم » ، لأن بعضهم لم يكفر .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 74 ]
أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 74 )
ثم دعاهم إلى التوبة من ذلك القول بقوله توبيخا بالاستفهام
( أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ )
من النصرانية
( وَيَسْتَغْفِرُونَهُ )
عن كفرهم وقولهم الإثم
( وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
[ 74 ] بهم إن تابوا إليه واستغفروه عما قالوه .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 75 ]
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 75 )
( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ )
كسائر الرسل من البشر
( قَدْ خَلَتْ )
أي مضت
( مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ )
بالموت فهو يموت ويمضي كما مضوا ، ولو كان إلها لكان باقيا ولم يفن ، ثم أكد ذلك بقوله
( وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ )
أي امرأة ، مبالغة في الصدق تشبه النبيين حين صدقت جبرائيل وما قال لها من أنا رسول ربك ، ثم زاد في ثبوت البشرية لهما بقوله
( كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ )
أي يعيشان بالغداء كالآدميين ، فكيف يجوز أن يكون من يحتاج إلى الغداء إلها لكونه من أمارات الحدث المنافي للقديم ، ثم قال تعجيبا من كفرهم مع قيام الحجة الواضحة على بشريتهما
( انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ )
أي الدلالات على ذلك في عيسى ومريم ، فلو كانا إلهين لما أكلا الطعام ، ثم زاد في التعجيب من تركهم الإيمان مع وضوح البرهان بقوله
( ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ )
[ 75 ] أي كيف « 5 » يصرفون عن الحق ويكذبون بانكارهم وحدانيتي .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 76 ]
قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 76 )
ثم قال تعييرا لهم بقلة عقلهم وشدة جهلهم
( قُلْ )
يا محمد
( أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ )
أي من غيره
( ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ )
أي الذي لا يقدر لأجلكم
( ضَرًّا وَلا نَفْعاً )
في الدنيا والآخرة ، يعني عيسى وكل معبود سوى اللّه وتركتم عبادة اللّه وحده
( وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ )
لقولكم
( الْعَلِيمُ )
[ 76 ] بحالكم وعقوبتكم .
هامش
( 1 ) ويمت ، ب س : ثلث ، م .
( 2 ) تجوز أن تكون ، س : يجوز أن يكون ، ب م .
( 3 ) يقولون ، س : تقولوا ، ب م .
( 4 ) أخذه عن الكشاف ، 2 / 40 - 41 .
( 5 ) أي كيف ، س : أي ، ب م .