قيل لابن عرفة : أو يجاب بأنه إذا الاستغفار يزيل الذنب أثر الذنب المحقق فعله فأحرى أن يزيل المشكوك في فعله ، والذي يقطع فعله ولم يفعله ، قال كاتب هذا سمعت من ابن عرفة في ميعاده ، وكان أعطاني ليلة الجلوس براءه تجعله على هذه الدولة نصها ، إن قيل : لم عدل عن أن التي لا تدخل على محقق الوقوع ، ولا إمكانه إلى ذا الدالة على ذلك ، مع فعل الفاحشة المطلوب شرعا نفيه لا أنواعه ؟ ، قلت : لأن المقصود من هذه الشرطية إنما هو ثبوت الملازمة بين فعل الفاحشة والاستغفار منها ، ولفظ إذا يدل على رجحان وقوع الفاحشة الملزوم لعدم امتناعها فثبوتها يدل على ثبوت ملازمها قطعا ضرورة امتناع وقوع استلزام وقوع الممكن للمحال ، والمحال قد يستلزم محالات فلا يثبت نفس الملازمة بين فعلهم الفاحشة وبين استغفارهم ، فإن قلت : فإذا كان فعل الفاحشة منهم محالا كان أبلغ في رفع درجاتهم ، قلت : ليس المقصود من هذا القسم حصول هذه الدرجة ، بل هذه حالة الطائفة الأولى ، والمقصود الإخبار عن طائفة يمكن وقوع الفاحشة منهم إلا أنهم لا يصرون عليها ، بل مبادرون بالاستغفار منها عاجلا ، انتهى نقله من خط ابن عرفة .
قال ابن عطية : والفاحشة لفظ يعم جميع المعاصي ، وفسرها السدي بالزنا .
قوله تعالى :
أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ .
[ سورة النمل : 54 ] دليل على أن ذلك إلا أن يقال هنالك : معرفة بالألف واللام العهدية .
ابن عرفة : ويحتمل عندي أن الفاحشة هي المعاصي المتعدية للغير ، والظلم هو المعاصي القاصرة على النفس ، وهو أحد تفسيري الزمخشري : في قوله تعالى :
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
[ سورة النساء : 110 ] .
قوله تعالى :
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ .
المكلف تارة بفعل الذنب ويستغفر منه وينوي أنه لا يعود إليه ، وتارة لا يستحضر ذلك ونفي الإصرار يعم الوجهين .
ابن عرفة : ما أفاد قوله
وَلَمْ يُصِرُّوا
بعد قوله تعالى :
ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ
وهو يعني عنه لحديث ما أصرّ من استغفر ، فالجواب عنه مثل ما أجاب به الفخر في قوله تعالى :
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ سورة الطلاق : 6 ] أي لم يصروا على ما فعلوه في المعاصي ، وحالهم في المستقبل أنهم لو فعلوا فاحشة يستغفروا اللّه منها .