الكلام :
فَارْجِعِ الْبَصَرَ
أي بعد ترديدك له قبل ذلك ، ودل بتوجيه الخطاب نحو أكمل الخلق صلّى اللّه عليه وسلّم في السمع والبصر والبصيرة وكل معنى إلى أن ذلك لا شبهة فيه .
ولما كان السؤال عن الشيء يدل على شدة الاهتمام بالبحث عنه ، نبه على أن هذا مما اشتدت عناية الأولين به فقال :
هَلْ تَرى
أي في شيء منها .
ولما كان هذا الاستفهام مفيدا للنفي ، أعرق في النفي بقوله :
مِنْ فُطُورٍ *
أي خلل بشقوق وصدوع أو غيرها لتغاير ما هي عليه وأخبرت به من تناسبها واستجماعها واستقامتها ما يحق لها مما يدل على عزة ما فيها وبليغ غفرانه ، وهذا أيضا يدل على إحاطة كل منها بما دونه فإنه لو كان لها فروج لفاتت المنافع التي رتبت لها النجوم المفرقة في طبقاتها أو بعضها أو كمالها ، فالهواء وجميع المنافع منحبسة فيها محوطة بها مضطربة متصرفة فيها على حسب التدبير والحيوان في الهواء كالسمك في الماء ، أو انحبس الهواء عنه لمات كما أنه لو انكشف الماء عن السمك لمات .
[ سورة الملك ( 67 ) : الآيات 4 إلى 7 ]
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ( 4 ) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ ( 5 ) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 6 ) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ ( 7 )
ولما كان في سياق المجازاة بالأعمال الصالحة والطالحة التي دل عدم الانتصاف من الظالمين في هذه الدار على أنها تكون بعد البعث وكانت العزة مقتضية لذلك ، وكان خلقه سبحانه وتعالى لهذا الوجود على هذا النظام مثبتا لها ، وكانت أعمالهم أعمال المنكر لها ، ولا سيما تصريحهم بأنه لا بعث ، دل على عظمة عزته بما أبدعه من هذا السقف الرفيع البديع ، ثم بجعله محفوظا هذا الحفظ المنيع ، على تعاقب الأحقاب وتكرر السنين ، فقال معبرا بأداة التراخي دالا على جلاله بإدامة التكرير طول الزمان :
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ
وأكد ما أفهمته الآية من طلب التكرير بقوله تعالى :
كَرَّتَيْنِ
أي مرتين أخريين - هذا مدلولها لغة ، وبالنظر إلى السياق علم أن المراد مرة بعد مرة لا تزال تكرر ذلك لارتياد الخلل لا إلى نهاية ، كما أن « لبيك » مراد به إجابة إلى غير غاية ، وعلى ذلك دل قوله سبحانه وتعالى :
يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ
أي من غير اختيار بل غلبة وإعياء وانكسار
الْبَصَرُ خاسِئاً
أي صاغرا مطرودا ذليلا بعيدا عن إصابة المطلوب
وَهُوَ
أي والحال أنه
حَسِيرٌ *
أي كليل تعب معيى من طول المعاودة وتدقيق النظر وبعد المسرح ، وإذا كان هذا الحال في بعض المصنوع فكيف يطلب العلم بالصانع في كماله من جلاله وجماله ، فكيف بمن يتفوه بالحلول أو الاتحاد حسبه جهنم وبئس المهاد .