إلى ظلم النفس ولكنها في المصائب أظهر . وختمت بالحسد فعلم أنه أضر المصائب ، وكان أصل ما بين الجن والإنس من العداوة الحسد ، جاءت سورة الناس متضمنة للاستعاذة من شر خاص ، وهو الوسواس ، وهو أخص من مطلق الحاسد ، ويرجع إلى المعايب الداخلة اللاحقة للنفوس البشرية التي أصلها كلها الوسوسة ، وهي سبب الذنوب والمعاصي كلها ، وهي من الجن أمكن وأضر ، والشر كله يرجع إلى المصائب والمعايب ، فقد تضمنت السورة كالفلق استعاذة ومستعاذا به ومستعاذا منه وأمرا بإيجاد ذلك ، فالأمر :
قُلْ
والاستعاذة
أَعُوذُ
والمستعاذ به هو اللّه سبحانه وتعالى ، لكن لما كانت صفة الربوبية من صفات كماله سبحانه أليق بالحماية والإعانة والرعاية والخلق والتدبير والتربية والإصلاح ، المتضمن للقدرة التامة والرحمة الواسعة ، والإحسان الشامل والعلم الكامل ، قال تعالى :
بِرَبِّ النَّاسِ *
أي أعتصم به أي أسأله أن يكون عاصما لي من العدو أن يوقعني في المهالك ، قال الملوي : والرب من له ملك الرق وجلب الخيرات من السماء والأرض وإبقاؤها ، ودفع الشرور ورفعها ، والنقل من النقص إلى الكمال ، والتدبير العام العائد بالحفظ والتتميم على المربوب ، وخص الإضافة بالمزلزلين المضطربين في الأبدان والأديان من الإنس والجان لخصوص المستعاذ منه ، وهو الأضرار التي تعرض للنفوس العاقلة وتخصها ، بخلاف ما في الفلق فإنه المضار البدنية التي تعم الإنسان وغيره .
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : وجه تأخرها عن شقيقتها عموم الأولى وخصوص الثانية ، ألا ترى عموم قوله
مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ
وإبهام
ما
وتنكير
غاسِقٍ
و
حاسِدٍ
والعهد فيها استعيذ من شره في سورة الناس وتعريفه ونعته ، فبدأ بالعموم ثم أتبع بالخصوص ليكون أبلغ في تحصيل ما قصدت الاستعاذة منه ، وأوفى بالمقصود ، ونظير هذا في تقديم المعنى الأعم ثم اتباعه بالأخص بتناول الدقائق والجلائل قوله سبحانه وتعالى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
في معنى الرحمن ومعنى الرحيم واحد لا في عموم الصفة الأولى وكونها للمبالغة ، وقد تعرض لبيان ذلك المفسرون ولذلك نظائر - انتهى .
ولما كان الرب الملك متقاربين في المفهوم ، وكان الرب أقرب في المفهوم إلى اللطف والتربية ، وكان الملك للقهر والاستيلاء وإظهار العدل ألزم ، وكان الرب قد لا يكون ملكا فلا يكون كامل التصرف ، اقتضت البلاغة تقديم الأول واتباعه الثاني ، فقال تعالى :
مَلِكِ النَّاسِ *
إشارة إلى أن له كمال التصرف ونفوذ القدرة وتمام السلطان ، وإليه المفزع وهو المستعان ، والمستغاث والملجأ والمعاد .