تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 568

مساهمون:

ص٥٦٨
الاجتهاد في العمل من غير ركون إلى سبب أو نسب غير ما شرعه سبحانه ، فقال تعالى معبرا بالماضي دلالة على أن الأمر قد قضى بذلك وفرغ منه ، فلا بد من كونه ولا محيص :
تَبَّتْ
أي حصل القطع الأعظم والحتم الأكمل ، فإنها خابت وخسرت غاية الخسارة ، وهي المؤدية إلى الهلاك لأنه لا نجاة إلا نجاة الآخرة ، وجعل خطاب هذه السورة عن اللّه ولم يفتتحها ب « قل » كأخواتها لأن هذا أكثر أدبا وأدخل في باب العذر وأولى في مراعاة ذوي الرحم ، ولذلك لم يكرر ذكرها في القرآن ، وأشد في انتصار اللّه سبحانه وتعالى له صلّى اللّه عليه وسلّم وأقرب إلى التخويف وتجويز سرعة الوقوع . ولما كانت اليد محل قدرة الإنسان . فإذا اختلت اختل أمره ، فكيف إذا حصل الخلل في يديه جميعا ، قال مشيرا بالتثنية إلى عموم هلاكه بأن قوته لم تغن عنه شيئا ، ولأن التثنية يعبر بها عن النفس ، ومشيرا بالكنية وإن كان يؤتى بها غالبا للتشريف إلى مطابقة اسمه لحاله ، ومجانسته الموجبة لعظيم نكاله :
يَدا أَبِي لَهَبٍ
فلا قدرة له على إعطاء ولا منع ، ولا على جلب ولا دفع ، وإشارة إلى أن حسن صورته لم تغن عنه شيئا من قبيح سيرته لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » « 1 » لأنه إنما كني بهذا لإشراق وجهه وتوقد وجنتيه ، ولأنها أشهر ، فالبيان بها أقوى وأظهر ، والتعبير بها - مع كونه أوضح - أقعد في قول التي هي أحسن . لأن اسمه عبد العزى وهو قبيح موجب للعدول عنه غيرة على العبودية أن تضاف إلى غير مستحقها . وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : هذه السورة وإن نزلت على سبب خاص وفي قصة معلومة فهي مع ما تقدمها واتصل بها في قوة أن لو قيل : قد انقضى عمرك يا محمد ، وانتهى ما قلدته من عظيم أمانة الرسالة أمرك ، وأديت ما تحملته وحان أجلك ، وأمارة ذلك دخول الناس في دين اللّه أفواجا ، واستجابتهم بعد تلكؤهم ، والويل لمن عاندك وعدل عن متابعتك وإن كان أقرب الناس إليك . فقد فصلت سورة
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
بين أوليائك وأعدائك ، وبان بها حكم من اتبعك ومن عاداك ، ولهذا سماها عليه الصلاة والسّلام المبرئة من النفاق ، وليعلم كفار قريش وغيرهم أنه لا اعتصام لأحد من النار إلا بالإيمان ، وأن القرابات غير نافعة ولا مجدية شيئا إلا مع الإيمان
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
[ يونس : 41 ] ،
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 2 / 284 مسلم 2564 وابن حبان 394 وأبو نعيم في الحلية 4 / 98 عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه .