تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
بسم اللّه الرحمن الرّحيم

سورة الفيل مكية - آياتها خمس

مقصودها الدلالة على آخر الهمزة من إهلاك المكاثرين في دار التعاضد والتناصر بالأسباب ، فعند انقطاعها أولى لاختصاصه سبحانه وتعالى بتمام القدرة دون التمكن بالمال والرجال ، واسمها الفيل ظاهر الدلالة على ذلك بتأمل سورته ، وما حصل في سيرة جيشه وصورته
بِسْمِ اللَّهِ
الذي له الإحاطة فقدرته في كل شيء عاملة
الرَّحْمنِ
الذي له النعمة الشاملة
الرَّحِيمِ *
الذي يختص أهل الاصطفاء بالنعمة الكاملة .

[ سورة الفيل ( 105 ) : الآيات 1 إلى 5 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ( 1 ) أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ( 2 ) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ ( 3 ) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ( 4 ) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ( 5 ) لما قدم في الهمزة أن كثرة الأموال المسببة بالقوة بالرجال ربما أعقبت الوبال ، دل عليه في هذه بدليل شهودي وصل في تحريقه وتغلغله في الأجسام وتجريفه إلى القلوب في العذاب الأدنى كما ذكر فيما قبلها للعذاب الأكبر الأخفى ، محذرا من الوجاهة في الدنيا وعلو الرتبة ، مشيرا إلى أنها كلما عظمت زاد ضررها بما يكسبه من الطغيان حتى ينازع صاحبها الملك الأعلى ، ومع كونه شهوديا فللعرب ولا سيما قريش به الخبرة التامة ، فقال مقررا منكرا على من يخطر له خلاف ذلك :
أَ لَمْ تَرَ
أي تعلم علما هو في تحققه كالحاضر المحسوس بالبصر ، وذلك لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم وإن لم يشهد تلك الوقعة فإنه شاهد آثارها ، وسمع بالتواتر مع إعلام اللّه له أخبارها ، وخصه صلّى اللّه عليه وسلّم إعلاما بأن ذلك لا يعلمه ويعمل به إلا هو صلّى اللّه عليه وسلّم ومن وفقه اللّه الحسن اتباعه ، لما للإنسان من علائق النقصان ، وعلائق الحظوظ والنسيان ، وقرىء « تر » باسكان الراء ، قالوا جدا في إظهار أثر الجازم ، وكان السر في هذه القراءة الإشارة إلى الحث في الإسراع بالرؤية إيماء إلى أن أمرهم على كثرتهم كان كلمح البصر ، من لم يعتن به ويسارع إلى تعمده لا يدركه حق إدراكه .