تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
ولما كانوا ينكرون البعث ، ويعتقدون دوام - الإقامة في القبور ، عبر بالزيارة إشارة إلى أن البعث لا بد منه ولا مرية فيه ، وأن اللبث في البرزخ وإن طال فإنما هو كلبث الزائر عند مزوره في جنب الإقامة بعد البعث في دار النعيم أو غار الجحيم ، وأن الإقامة فيه محبوبة للعلم بما بعده من الأهوال والشدائد والأوجال ، فقال :
حَتَّى
أي استمرت مباهاتكم ومفاخرتكم إلى أن
زُرْتُمُ الْمَقابِرَ *
أي بالموت والدفن ، فكنتم فيها عرضة للبعث لا تتمكنون من عمل ما ينجيكم لأن دار العمل فاتت كما أن الزائر ليس بصدد العلم عند المزور ، لا يمكثون بها إلا ريثما يتكمل المجموعون بالموت كما أن الزائر معرض للرجوع إلى داره ومحل قراره ، فلو لم يكن لكم وازع عن الإقبال على الدنيا إلا الموت لكان كافيا فكيف والأمر أعظم من ذلك ؟ فإن الموت مقدمة من مقدمات العرض ، قال أبو حيان : سمع بعض الأعراب الآية فقال : بعث القوم للقيامة ورب الكعبة ، فإن الزائر منصرف لا مقيم ، وروى ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز أنه قرأها ثم قال : ما أرى المقابر إلا زيارة ، ولا بد لمن زار أن يرجع إلى بيته ، إما إلى الجنة أو إلى النار . وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تقدم ذكر القارعة وعظيم أهوالها ، أعقب بذكر ما شغل وصد عن الاستعداد لها وألهى عن ذكرها ، وهو التكاثر بالعدد والقرابات والأهلين فقال :
أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ
وهو في معرض التهديد والتقريع وقد أعقب بما يعضد ذلك وهو قوله
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
ثم قال :
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ
وحذف جواب « لو » والتقدير : لو تعلمون علم اليقين لما شغلكم التكاثر ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » « 1 » الحديث ، وقوله تعالى
« لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ »
جواب لقسم مقدر أي واللّه لترون الجحيم ، وتأكد بها التهديد وكذا ما بعد إلى آخر السورة - انتهى . ولما كان الاشتغال بالتكاثر في غاية الدلالة على السفه لأن من المعلوم قطعا أن هذا الكون على هذا النظام لا يكون إلا بصانع حكيم ، وكان العقلاء المنتفعون بالكون في غاية التظالم ، وكان الحكيم لا يرضى أصلا أن يكون عبيده يظلم بعضهم بعضا ثم لا يحكم بينهم ولا ينظر في مصالحهم علم قطعا أنه يبعثه ليحكم بينهم لأنه كما قدر على إبدائهم يقدر على إعادتهم ، وقد وعد بذلك وأرسل به رسله وأنزل به كتبه ، فثبت ذلك
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 3 / 210 والبخاري 4621 ومسلم 6486 وابن ماجة 4191 عن أنس رضي اللّه تعالى عنه .