تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
ولما كانت دالة على الضابحات بالالتزام ، قال ناصبا به أو ب « تضبح » مقدرا :
ضَبْحاً *
والضبح صوت جهير من أفواهها عند العدو الشديد ، ليس بصهيل ولا حمحمة ولا رغاء وهو من النفس ، وليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلب والثعلب ، وأصله للثعلب واستعير للخيل ، وحكاه ابن عباس رضي اللّه عنهما فقال : أح أح ، أو الضبح عدو دون التقريب . ولما ذكر عدوها ، أتبعه ما ينشأ عنه ، فقال عاطفا بأداة التعقيب لأن العدو بحيث يتسبب عنه ويتعقبه الإيراء :
فَالْمُورِياتِ
أي المخرجات للنار بما يصطك من نعالها بالأحجار ، لا سيما عند سلوك الأوعار . ولما كان الإيراء أثر القدح قال :
قَدْحاً *
أي تقدح ضربا بعنف كضرب الزند ليوري النار ، ونسب الإيراء إليها لإيجادها صورته وإن لم يكن لها قصد إليه . ولما ذكر العدو وما يتأثر عنه ، ذكر نتيجته وغايته فقال :
فَالْمُغِيراتِ
أي بإغارة أهلها عليها على العدو والإغارة والركض الشديد لإرادة القتل والنهب . ولما كانت الإغارة الكائن عنها الثبور والويل أروع ما تكون في أعقاب الليل قال :
صُبْحاً *
أي ذات دخول في الصباح . ولما كان الأعداء حال الإغارة يكون مختلفا تارة يمينا وتارة شمالا وتارة أماما وتارة وراء بحسب الكر والفر في المصاولة والمحاولة تارة أثر الهارب ، وأخرى في مصاولة المقبل المحارب ، فينشأ عنها الغبار الكثير لإثارة الهواء له واصطدام بعضه ببعض لتعاكسه بقوة الدفع من قوائمها وما تحركه منه ، وكان المقسم به منظورا فيه إلى ذاته ونتيجة القسم منظورا فيها إلى الفعل بادىء بدء مع قطع النظر بالأصالة عن الذات ، عطف على اسم الفاعل بعد حله إلى أن وصلتها فقال :
فَأَثَرْنَ بِهِ
أي بفعل الإغارة ومكانها وزمانها من شدة العدو
نَقْعاً *
أي غبارا مع الأعناق والصياح والزجر بالنعق حتى صار ذلك الغبار منحبكا ومنعقدا عليها . ولما كان المغير يتوسط الجمع عند اختلال حالهم فيفرق شملهم لأنهم متى افترقوا حصل فيهم الخلل ، ومتى اختلفوا تخللهم العدو ففرق شملهم قال :
فَوَسَطْنَ بِهِ
أي بذلك النقع أو الفعل والوقت والموضع
جَمْعاً
أي وهو المقصود بالإغارة ، فدخلت في وسط ذلك الجمع لشجاعتها وقوتها وطواعيتها وشجاعة فرسانها . ولما أقسم بالخيل التي هي أشرف الحيوان كما أن الإنسان المقسم لأجله أشرف ما اتصف منه بالبيان ، وتجري به أفكاره كخيل الرهان ، وتقدح المعاني تارة مقترنة