تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
وضره ونفعه . ولما كان الحيوان أكمل المخلوقات ، وكان الإنسان أكمل الحيوان وزبدة مخضه ، ولباب حقيقته وسر محضه ، وأدل على تمام القدرة لكونه جامعا لجميع ما في الأكوان ، فكان خلقه أبدع من خلق غيره ، فكان لذلك أدل على كمال الصانع وعلى وجوب إفراده بالعبادة ، خصه فقال :
خَلَقَ الْإِنْسانَ
أي هذا الجنس الذي من شأنه الأنس بنفسه وما رأى من أخلاقه وحسه ، وما ألفه من أبناء جنسه . ولما كانت العرب تأكل الدم ، وكان اللّه تعالى قد حرمه لأنه أصل الإنسان وغيره من الحيوان وهو مركب الحياة ، فإذا أكل تطبع آكله بخلق ما هو دمه ، قال معرفا بأنه سبحانه وتعالى بنى هذه الدار على حكمة الأسباب مع قدرته على الإيجاد من غير تطوير في تسبيب :
مِنْ عَلَقٍ *
أي خلق هذا النوع من هذا الشيء وهو دم شديد الحمرة جامد غليظ ، جمع علقة ، وكذا الطين الذي يعلق باليد يسمى علقا ، وهم مقرّون بخلق الآدمي من الأمرين كليهما ، فالآية من أدلة إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه على استعمال المشترك في معنييه ، ولعله عبر به ليعم الطين فيكون - مع ما فيه من الإشارة إلى بديع الصنعة - إشارة إلى حرمة أكل ما هو أصلنا من الدم والتراب قبل أن يستحيل ، فإذا استحال وصف بالحلال لأن الاستحالات لها مدخل في الإحلالات في النكاح وغيره ، واحمرار النطفة ليس استحالة لأنها كانت حمراء قبل قصر الشهوة لها ، وربما ضعفت الشهوة عن قصرها فنزلت حمراء ، فإذا تحول الدم لحما صار إلى جنس ما يحل ، وكذا إذا تحول التراب بمخالطة الماء تمرا أو حبا حل . وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما قال اللّه سبحانه وتعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ
[ التين : 7 - 8 ] وكان معنى ذلك : أيّ شيء حمل عل هذا بعد وضوح الأمر لك وبيانه وقد نزهه سبحانه وتعالى عن التكذيب بالحساب وأعلى قدره عن ذلك ، ولكن سبيل مثل هذا إذا ورد كسبيل قوله تعالى :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
[ الزمر : 65 ] وبابه ، وحكم هذا القبيل واضح في حق من تعدى إليه الخطاب وقصد بالحقيقة به من أمته صلّى اللّه عليه وسلّم من حيث عدم عصمتهم وإمكان تطرق الشكوك والشبهة إليهم ، فتقدير الكلام : أيّ شيء يمكن فيه أن يحملكم على التوقف أو التكذيب بأمر الحساب ، وقد وضح لكم ما يرفع الريب ويزيل الإشكال ، ألم تعلموا أن ربكم أحكم الحاكمين ؟ أفيليق به وهو العليم الخبير أن يجعل اختلاف أحوالكم في الشكوك بعد خلقكم في أحسن تقويم ؟ أفيحسن أن يفعل ذلك عبثا ؟ وقد قال تعالى :
وَما خَلَقْنَا
السماوات
وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا
[ ص : 27 - ولكن قراءتنا - وما خلقنا السماء - لا بالجمع ] فلما قرر سبحانه العبيد على أنه أحكم الحاكمين مع ما
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 480 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي