ومخاطبتي لك بالألقاب العلية والسمات المعزة المعلية من الرسول والنبي ، ونحو ذلك على حسب الأساليب ومناسبات التراكيب إلى غير ذلك من فضائل ومناقب وشمائل لا تضبط بالوصف ، قال الرازي : ثم جعل لأمته من ذلك أوفر الحظ ، قيل : يا رسول اللّه ، من أولياء اللّه ؟ قال : « الذين إذا ذكروا ذكر اللّه » « 1 » وفي حديث : « الذين إذا رؤوا ذكر اللّه » وقال : « خياركم من تذكر اللّه رؤيته ، ويزيد في علمكم منطقه ، ويزهدكم في الدنيا عمله » « 2 » فمنتهى قسمة الثناء أن خلط ذكره بذكره .
ولما ذكر هذه المآثر الشريفة التي هي الكمال ، وكان الكمال لا يصفو إلا مع مساعدة الأقدار ، فإن الهمم إذا عظمت اتسعت مجالاتها ، فإذا حصل فيها تعطيل حصل فيها نكد على حسبه ، بين أنه أزال عنه العوائق في عبارة دالة على أن سبب المنحة بهذه الكمالات هو ما كان صلّى اللّه عليه وسلّم فيه من الصبر على الأكدار ، وتجرع مرارات الأقدار ، فقال مؤكدا ترغيبا في حمل مثل ذلك رجاء في الإثابة بما يليق من هذه المعالي مبالغا في الحث على تحمله بذكر المعية إشارة إلى تقارب الزمنين بحيث إنهما كانا كالمتلازمين مسببا عما مضى ذكره من حاله من الضحى :
فَإِنَّ
أي فعل بك سبحانه هذه الكمالات الكبار بسبب أنه قضى في الأزل قضاء لا مرد له ولا معقب لشيء منه أن
مَعَ الْعُسْرِ
أي هذا النوع خاصة
يُسْراً *
أي عظيما جدا يجلب به المصالح ويشرح به ما كان قيده من القرائح ، فإن أهل البلاء ما زالوا ينتظرون الرخاء علما منهم بالفطرة الأولى التي فطر الناس عليها أنه المتفرد بالكمال ، وأنه الفاعل بالاختيار لنسمه الكوائن بأضدادها ، وقد أجرى سنته القديمة سبحانه وتعالى بأن الفرج مع الكرب ، فلما قاسى صلّى اللّه عليه وسلّم مما ذكر في الضحى من اليتم الشديد وضلال قومه العرب خاصة كلهم الذين ألهمه اللّه تعالى مخالفتهم في أصل الدين بتجنب الأوثان ، وفي فرعه بالوقوف مع الناس في الحج في عرفة موقف إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، ومن العيلة ما لم يحمله أحد حتى كان بحيث يمتن سبحانه وتعالى عليه بإنقاذه منه في كتابه القديم وذكره الحكيم ، وكان مع تحمل ذلك قائما بما يحق له من الصبر ويعلو إلى معالي الشكر « فيحمل » - كما قالت الصديقة الكبرى خديجة رضي اللّه تعالى عنها - « الكلّ ، ويقري الضيف ، ويصل الرحم ، ويعين على نوائب الحق » . ثم حمل أعباء النبوة فكان يلقى من قومه من الأذى والكرب والبلاء ما لم يحمله غيره ، بشره اللّه تعالى بأنه ييسر له جميع ذلك ويلين قلوبهم فيظهر دينه على
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 6 / 459 عن أسماء بنت يزيد رضي اللّه تعالى عنها وفيه شهر بن حوشب فيه كلام وقد وثق . وبقية رجاله ثقات . انظر المجمع 8 / 92 .
( 2 ) أخرجه الحكيم الترمذي ص 140 من حديث عبد اللّه بن عمرو وإسناده ضعيف .