تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠

[ سورة الطارق ( 86 ) : الآيات 9 إلى 17 ]

يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ( 9 ) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ ( 10 ) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ( 11 ) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ( 12 ) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ( 13 ) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ ( 14 ) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ( 15 ) وَأَكِيدُ كَيْداً ( 16 ) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ( 17 ) ولما كان هذا يحرك السامع غاية التحريك لأن يقول : متى تكون رجعه له ؟ قال مجيبا له :
يَوْمَ تُبْلَى
وبناه للمفعول إشارة مع التنبيه على السهولة إلى أن من الأمر البين غاية البيان أن الذي يبلوها هو الذي يرجعها ، وهو اللّه سبحانه وتعالى من غير احتياج إلى ذكره
السَّرائِرُ *
أي كل ما انطوت عليه الصدور من العقائد والنيات ، وأخفته الجوارح من الإخلال بالوضوء والغسل ونحو ذلك من جميع الجنايات ، بأن تخالط السرائر في ذلك اليوم ، وهو يوم القيامة ، من الأمور الهائلة ما يميلها فيحيلها عما هي عليه فتعود جهرا بعد أن كانت سرا ، فيميز طيبها من خبيثها ويجازى عليه صاحبه . ولما كان المانع من جزائه عند إظهار سرائره إما هو نفسه أو أحد ينصره ، قال مسببا عن إظهار ما يجتهد في إخفائه :
فَما لَهُ
أي الإنسان الذي أخرجت سرائره ، وأعرق في التعميم والنفي فقال :
مِنْ قُوَّةٍ
أي يمنع بها نفسه من الجزاء
وَلا ناصِرٍ *
أي ينصره فيمنعه من نفوذ الحكم فيه . وليس الدفع إلا بهذين الأمرين : قوة قائمة به أو قوة خارجة عنه . ولما اشتملت هذه الجمل على وجازتها على الذروة العليا من البلاغة في إثبات البعث والجزاء والوحدانية له سبحانه وتعالى إلى غير ذلك من بحور العلوم ، فثبت أن القرآن كلام اللّه سبحانه وتعالى ، فثبت أن كل ما فيه حق مع منازعتهم في ذلك كله ، اقتضى الحال الإقسام على حقيته فقال :
وَالسَّماءِ
أي التي كان المطلع الإقسام بها ووصفها بما يؤكد العلم بالبعث الذي هو منبع العلوم والتقوى فعليه مدار السعادة فقال :
ذاتِ الرَّجْعِ *
التي ترجع بالدوران إلى الموضع الذي ابتدأت الدوران منه فترجع الأحوال التي كانت وتصرمت من الليل والنهار والشمس والقمر والكواكب والفصول من الشتاء وما فيه من برد ومطر ، والصيف وما فيه من حر وصفاء وسكون وغير ذلك والنبات بعد تهشمه وصيرورته ترابا مختلطا بتراب الأرض وترجع الماء على قول من يقول : إن السحاب يأخذه من البحر ويعلو به فيعصره في الهواء ثم يرده إلى الأرض - وغير ذلك من الأمور الدال كل منها قطعا على أن فاعل ذلك قادر على إعادة كل ما فني كما كان من غير فرق أصلا . ولما ذكر الأمر العلوي بادئا به لشرفه ، أتبعه السفلي فقال تعالى :
وَالْأَرْضِ
أي