[ البروج : 20 ] وكان في ذلك تعريف العباد بأنه سبحانه وتعالى لا يغيب عنه شيء ولا يفوته شيء ولا ينجو منه هارب ، أردف ذلك بتفصيل يزيد إيضاح ذلك التعريف الجملي من شهادته سبحانه وتعالى على كل شيء وإحاطته به فقال تعالى
إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ
[ الطارق : 4 ] فأعلم اللّه سبحانه وتعالى بخصوص كل نفس ممن يحفظ أنفاسها « ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد » ليعلم العبد أنه ليس بمهمل ولا مضيع ، وهو سبحانه وتعالى الغني عن كتب الحفظة وإحصائهم وشهادة الشهود من الأعضاء وغيرهم ، وإنما كان ذلك لإظهار عدله سبحانه وتعالى
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
[ النساء : 40 ] ولا أقل من المثقال ، ولكن هي سنته حتى لا يبقى لأحد حجة ولا تعلق ، وأقسم سبحانه وتعالى على ذلك تحقيقا وتأكيدا يناسب القصد المذكور - انتهى .
ولما كان التقدير : لأنه لا بد له من العرض على الخالق سبحانه وتعالى لأن التوكيل بالإنسان لا يكون إلا لعرضه على الملك الديان صاحب الأمر والبرهان ومحاسبته له على ما كان ، كان التقدير : يحفظ أعمالها ويكتبها ليحاسبها الملك على ذلك ، فتسبب عنه قوله تعالى :
فَلْيَنْظُرِ
أي بالبصيرة
الْإِنْسانُ
أي الآنس بنفسه الناظر في عطفه إن كان يسلك في ذلك
مِمَّ
أي من أي شيء ، وبنى للمفعول العامل في من أمر بالنظر وهو قوله :
خُلِقَ *
إعلاما بأن الدال هو مطلق الخلق ، وتنبيها على تعظيم الفاعل بأن العلم به غير محتاج إلى ذكره باللفظ لأنه لا يقدر على صنعة من صنائعه غيره ، وأمر الإنسان بهذا النظر ليعلم بأمر مبدئه أمر معاده ، فإن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة قطعا ، فإذا صح عنده ذلك اجتهد في أن لا يملي على حافظيه إلا ما يرضي اللّه تعالى يوم عرضه على الملك الديان ليسره وقت حسابه .
ولما نبه بالاستفهام على أن هذا أمر مهم جدا ينبغي لكل أحد أن يترك جميع مهماته ويتفرغ للنظر فيه فإنه يكسبه السعادة الأبدية الدائمة ، وكان الإنسان - مع كونه ضعيفا عاجزا - لا ينفك عن شاغل ومفتر ، فلا يكاد يصح له نظر ، تولى سبحانه وتعالى شرح ذلك عنه فأجاب الاستفهام بقوله :
خُلِقَ
أي الإنسان على أيسر وجه وأسهله بعد خلق أبيه آدم عليه الصلاة والسّلام من تراب ، وأمه حواء عليهاالسّلام من ضلعه
مِنْ ماءٍ دافِقٍ *
أي هو - لقوة دفق الطبيعة له - كأنه يدفق بنفسه فهو إسناد مجازي ، والدفق لصاحبه ، أو هو مثل « لابن » أي ذي دفق ، والدفق صب فيه دفع ، ولم يقل :
ماءين - إشارة إلي أنهما يجتمعان في الرحم ويمتزجان أشد امتزاج بحيث يصيران ماء واحدا .
ولما كان المراد به ماء الرجل وماء المرأة قال :
يَخْرُجُ
وبعض بإثبات الجار