تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤

[ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 22 إلى 24 ]

وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً ( 22 ) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ( 23 ) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً ( 24 ) ولما كانت كثرة الرؤساء قوة أخرى إلى قوتهم بمتاع الدنيا ، وكان التقدير : فأمرتهم بالإيمان فأبوا وأمروهم بالكفر فانقادوا لهم ، عطف عليه مبينا لكثرتهم بضمير الجمع العائد على
« مَنْ »
عاطفا على
« لَمْ يَزِدْهُ »
المفردة الضمير للفظ جامعا له للمعنى لتجمع العبارة الحكم على المفرد والجمع ، فيكون أدل شيء على المراد منها فقال :
وَمَكَرُوا
أي هؤلاء الرؤساء في تنفير الناس عني - وأكد الفعل بالمصدر دلالة على قوته فقال :
مَكْراً
وزاده تأكيدا بصيغة هي النهاية في المبالغة فقال :
كُبَّاراً *
فإنه أبلغ من كبار المخفف الأبلغ من كبير ، فلم يدعوا أحدا منهم بذلك المكر يتبعني
وَقالُوا
أي لهم في أداني المكر الذي حصل منهم . ولما كان دعاء الرسل عليهم الصلاة والسّلام جديرا بالقبول لما لهم من الجلالة والحلاوة والبيان والرونق والظهور في الفلاح ، أكدوا قولهم :
لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ
أي لا تتركنها على حالة من الحالات لا قبيحة ولا حسنة ، وأضافوها إليهم تحسبا فيها ، ثم خصوا بالتسمية زيادة في الحث وتصريحا بالمقصود فقالوا مكررين النهي والعامل تأكيدا :
وَلا تَذَرُنَّ
ولعلهم كانوا يوافقون العرب في أن الود هو الحب الكثير ، فناسب المقام بذاتهم بقولهم :
وَدًّا
وأعادوا النافي تأكيدا فقالوا :
وَلا سُواعاً *
وأكدوا هذا التأكيد وأبلغوا فيه فقالوا :
وَلا يَغُوثَ
ولما بلغ التأكيد نهاية وعلم أن المقصود النهي عن كل فرد فرد لا عن المجموع بقيد الجمع أعروا فقالوا :
وَيَعُوقَ وَنَسْراً *
معرى عن التأكيد للعلم بإرادته ، وكان هؤلاء ناسا صالحين ، فلما ماتوا حزن عليهم الناس ثم زين لهم إبليس تصويرهم تشويقا إلى العمل بطرائقهم الحسنة فصوروهم ، فلما تمادى الزمان زين لهم عبادتهم لتحصيل المنافع الدنيوية ببركاتهم ثم نسي القوم الصالحون ، وجعلوا أصناما آلهة من دون اللّه ، وكانت عبادة هؤلاء أول عبادة الأوثان فأرسل اللّه سبحانه وتعالى نوحا عليه الصلاة والسّلام للنهي عن ذلك إلى أن كان من أمره وأمر قومه ما هو معلوم ، ثم أخرج إبليس هذه الأصنام بعد الطوفان فوصل شرها إلى العرب ، فكان ود لكلب بدومة الجندل وسواع لهذيل ويغوث لمذحج ويعوق لمراد ونسر لحمير لآل ذي الكلاع ، وقيل غير ذلك - واللّه أعلم قال البغوي : سواع لهذيل ويغوث لمراد ، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ ويعوق لهمذان . قال أبو حيان : قال أبو عثمان النهدي : رأيت يغوث وكان من رصاص يحمل على جمل أجرد ، يسيرون معه لا يهيجونه حتى يكون هو الذي يبرك ، فإذا برك نزلوا وقالوا : قد رضي لكم المنزل ،