طوالا وقصارا بيضا وسودا وبين ذلك - إلى غير ذلك من الأمور الدالة على قدرته على كل مقدور ، ومن قدر على هذا ابتداء كان على الإعادة أعظم قدرة ، وقد ثبتت حكمته وأنه لم يخلق الخلق سدى بما بان من هذا التطوير على هذه الهيئات العجيبة التي لا قدرة لغيره عليها بوجه ، وهم يتهارجون في هذه الدار تهارج الحمر ، ويموت المظلوم على حاله ، والظالم يبلغ آماله ، فلا بد أن يعيدهم ليفصل بينهم فيظهر حكمته وعدله وإكرامه وفضله ، ولو ترك ذلك لكان نقصا في ملكه ، ومن قدر على ذلك كان قادرا على الجزاء بالثواب والعقاب ، فهو أهل لأن يخشى ويرجى .
ولما كان هذا واضحا ولكنهم قوم لد ، لا يردهم إلا الشمس المنيرة في وقت الظهيرة ، ذكرهم - بعد التذكير بما في أنفسهم - بما هو أكبر من ذلك من آيات الآفاق وقسمها إلى علوي وسفلي ، وبدأ بالأنفس لأنها مع شرفها أقرب منظور إليه لهم ، وثنى بالعلوي لأنه يليها في الشرف ووضوح الآيات ، فقال : دالا على القدرة على البعث والجزاء بالثواب والعقاب :
أَ لَمْ تَرَوْا
أي أيها القوم .
ولما كان تأمل الكيفيات يحتاج إلى دقة وتوقف على عجائب ولطائف تؤذن قطعا بأن فاعلها لا يعجزه شيء ، وقال منكرا عليهم عدم التأمل :
كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ
أي الذي له العلم التام والقدرة البالغة والعظمة الكاملة
سَبْعَ سَماواتٍ
هي في غاية العلو والسعة والإحكام والزينة ، يعرف كونها سبعا بما فيها من الزينة .
ولما كانت المطابقة بين المتقابلات في غاية الصعوبة لا يكاد يقدر عليها من جميع الوجوه أحد ، قال :
طِباقاً *
أي متطابقة بعضها فوق بعض وكل واحدة في التي تليها محيطة بها « ما لها من فروج » لا يكون تمام المطابقة إلا كذلك بالإحاطة من كل جانب .
ولما كان المحيط لا يتوصل إلى داخله إلا محيط العلم والقدرة ، قال دالّا على كمال قدرته وتصرفه معبرا بالجعل الذي يكون عن تصيير وتسبيب :
وَجَعَلَ الْقَمَرَ
أي الذي ترونه وهو في السماء الدنيا ، وبدأ به لقربه وسرعة حركته وقطعه جميع البروج في كل شهر مرة وغيبته في ليالي السرار ثم ظهوره ، وذلك أعجب في القدرة .
ولما كانت السماء شفافات قال :
فِيهِنَّ
أي السماوات جميعهن
نُوراً
أي لامعا منتشرا كاشفا للمرئيات ، أحد وجهيه يضيء لأهل الأرض والثاني لأهل السماوات ، ولما كان نوره مستفادا من نور الشمس قال :
وَجَعَلَ
معظما لها بإعادة العامل
الشَّمْسَ
أي في السماء الرابعة
سِراجاً *
أي نورا عظيما كاشفا لظلمه الليل عن وجه الأرض وهي في السماء الرابعة ، وروى ابن مردويه وعبد الرزاق والطبري عن