بالحق الذي لا مرية فيه لأحد من الخلق ، فهي فاعلة بمعنى مفعول فيها ، وهي فاعلة أيضا لأنها غالبة لكل خصم ، من حاققته فحققته أحقه أي غالبته في الحق فغلبته فيه ، فهي تحق الحق ولا بد فتعلو الباطل فتدمغه وتزهقه فتحق العذاب للمجرمين والثواب للمسلمين ، وكل ما فيها دائر على الثبات والبيان ، لأن ذلك مقتضى الحكمة ولا يرضى لأحد من الحكام ترك رعيته بغير إنصاف بينهم على زعمه فكيف بالحكيم العليم ، وقصة صاحب الحوت عليه السّلام أدل دليل على القدرة عليها .
ولما كان ذلك كله أمرا رائعا للعقول ، هازا للقلوب ، مزعجا للنفوس ، وكان ربما توقف فيه الجلف الجافي ، أكد أمره وزاد في تهويله ، وأطنب في تفخيمه وتبجيله ، إشارة إلى أن هوله يفوت الوصف بقوله ، معلما أنه مما يحق له أن يستفهم عنه سائقا له بأداة الاستفهام مرادا بها التعظيم للشأن ، وأن الخبر ليس كالعيان :
مَا الْحَاقَّةُ *
فأداة الاستفهام مبتدأ أخبر عنه بالحاقة وهما خبر عن الأولى ، والرابطة تكرير المبتدأ بلفظه نحو زيد أي ما هو ، وأكثر ما يكون ذلك إذا أريد معنى التعظيم والتهويل .
ولما كان السياق لترجمة المراد بكشف الساق ، عظم التهويل بقوله :
وَما أَدْراكَ
أي في الزمن الماضي ، وقصره لتذهب النفس فيه كل مذهب ، أي وأي شيء أعلمك بشيء من الأشياء مع تعاطيك للبحث والمداورة ، ثم زاد التحذير منها بقوله على النهج الأول مستفهما والمراد به التفخيم ومزيد التعظيم :
مَا الْحَاقَّةُ *
أي إنها بحيث لا يعلم كنهها أحد ولا يدركها ولا يبلغها درايته وكيف ما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك ، فلا تعلم حق العلم إلا بالعيان .
وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير : لما بنيت سورة
ن وَالْقَلَمِ
على تقريع مشركي قريش وسائر العرب وتوبيخهم وتنزيه نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن شنيع قولهم وقبيح بهتهم ، وبين حسدهم وعداوتهم
وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ
[ القلم : 51 ] أتبعت بسورة الحاقة وعدا لهم وبيانا أن حالهم في سوء ذلك المرتكب قد سبق إليه غيرهم
كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ
[ الحاقة : 4 ]
فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ
[ الحاقة : 8 ]
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا
قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ
[ الأنعام : 6 ]
فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ
[ يونس : 102 ] ، و
كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً
[ مريم : 98 ] فسورة الحاقة جارية مجرى هذه الآي المعقب بها ذكر عناد مشركي العرب ليتعظ بها من رزق التوفيق لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية .
ولما ذكر حال من هلك من الأمم السالفة بسوء تكذيبهم وقبيح عنادهم ، أتبع ذلك