تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨

[ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 24 إلى 34 ]

جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 24 ) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً ( 25 ) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً ( 26 ) وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ( 27 ) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ( 28 ) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ( 29 ) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ( 30 ) وَماءٍ مَسْكُوبٍ ( 31 ) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ( 32 ) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ( 33 ) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ( 34 ) ولما أبلغ في وصف جزائهم بالحسن والصفاء ، دل على أن أعمالهم كانت كذلك لأن الجزاء من جنس العمل فقال تعالى :
جَزاءً
أي فعل لهم ذلك لأجل الجزاء
بِما كانُوا
جبلة وطبعا
يَعْمَلُونَ *
أي يجددون عمله على جهة الاستمرار . ولما أثبت لها الكمال وجعله لهم ، نفى عنها النقص فقال :
لا يَسْمَعُونَ
أي على حال من الأحوال
فِيها لَغْواً
أي شيئا مما لا ينفع فإن أنكأ . . . بالسميع الحكيم ذلك ، واللغو : الساقط
وَلا تَأْثِيماً *
أي ما يحصل به الإثم أو النسبة إلى الإثم ، بل حركاتهم وسكناتهم كلها رضى اللّه ، وما قطع قلوب السائرين إلى اللّه إلا هاتان الخصلتان بينا أحدهم يبني ما ينفعه مجتهدا في البناء إذ هو غلبه طبعه فهدم أكثر ما بنى ، وبينا هو يظن أنه قد قرب إذا هو تحقق بمثل ذلك أنه قد بعد ، نزحت داره وشط مزاره ، فاللّه المستعان . ولما كان الاستثناء ، معيار العموم ، ساق بصورة الاستثناء قوله :
إِلَّا قِيلًا
أي هو في غاية اللطافة والرقة بما دل عليه المبني على ما قبلها محاسن مع ما تدل عليه مادة قوله . ولما تشوف السامع إليه بالتعبير بما ذكر ، بينه بقوله :
سَلاماً
ودل على دوامه بتكريره فقال :
سَلاماً *
أي لا يخطر في النفس ولا يظهر في الحس منهم قول إلا دالّا على السلامة لأنه لا عطب فيها أصلا ، وساقه مساق الاستثناء المتصل دلالة على أنه إن كان فيها لغو فهو ذلك حسب ، وهو ما يؤمنهم وينعمهم ويبشرهم مع أنه دال على حسن العشرة وجميل الصحبة وتهذيب الأخلاق وصفاء المودة . ولما أتم سبحانه القسم الأول القلبي السوائي المولي من الثلاثة بقسميه ، وذكر في جزائه مما لأصحاب المدن ما لا يمكنهم الوصول إليه ، عطف عليه الثاني الذي هو دونه لذلك وهم واللّه أعلم الأبرار وهم أيضا صنفان ، وذكر في جزائهم من جنس ما لأهل البوادي أنهى ما يتصورونه ويتمنونه فقال :
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ *
ثم فخم أمرهم وأعلى مدحهم لتعظيم جزائهم ، والإشارة إلى أنهم أهل لأن يسأل عن حالهم فإنهم في غاية الإعجاب فقال :
ما أَصْحابُ الْيَمِينِ
ولما عبر عنهم بما أفهم أنهم أولو القوة والجد في الأعمال ، والبركة في جميع الأحوال ، ذكر عيشهم بادئا بالفاكهة لأن عيش الجنة كله تفكه ، ذاكرا منها ما ينبت في بلاد العرب من غير كلفة بغرس ولا خدمة ، وأشار إلى