بأخبارهم ورؤيتهم لديارهم وكون عذابهم نشأ من بلدهم بدعاء من دعا منهم ، ذكر أمرهم على وجه دل على مقصود السورة ، وعبر بالأخوة تسلية لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم لأن فظيعة القوم لمن هو منهم ويعلمون مناقبه ومفاخره أنكأ فقال :
أَخا عادٍ
وهو أخو هود عليه الصلاة والسّلام الذي كان بين قوم لا يعشرهم قومك في قوة ولا مكنة ، وصدعهم مع ذلك بمر الحق وبادأهم بأمر اللّه ، لم يخف عاقبتهم ونجيته منهم ، فهو لك قدوة وفيه أسوة ، ولقومك في قصدهم إياك بالأذى من أمره موعظة .
ولما ذكره عليه الصلاة والسّلام لمثل هذه المقاصد الجليلة ، أبدل منه قصته زيادة في البيان ، فقال مبينا أن الإنذار هو المقصد الأعظم من الرسالة :
إِذْ
أي حين
أَنْذَرَ قَوْمَهُ
أي الذين لهم قوة زائدة على القيام فيما يحاولونه
بِالْأَحْقافِ
قال الأصبهاني :
قال ابن عباس : واد بين عمان ومهرة ، قال : وقال مقاتل : كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له مهرة ، إليه ينسب الإبل المهرية ، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع ، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم ، وكانوا من قبيلة إرم . وقال قتادة : كانوا مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشجر ، والأحقاف جمع حقف بالكسر ، وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء ، وقال ابن زيد : هو ما استطال من الرمل كهيئة الجبل ولم يبلغ أن يكون جبلا ، وقال في القاموس : وهو الرمل العظيم المستدير ، وأصل الرمل ، واحقوقف الرمل والظهر والهلال : طال واعوج . ومن الأمر الجلي أن هذه الهيئة لا تكون في بلاد الريح بها غالبة شديدة لأنه لو كان ذلك نسف الجبل نسفا بخلاف بلاد الجبال كمكة المشرفة ، فإن الريح تكون بها غاية في الشدة لأنها إما أن تصك الجبل فتنعكس راجعة بقوة شديدة ، أو يكون هناك جبال فتراد بينها أو تنضغط فتخرج مما تجد من الفروج على هيئة مزعجة فينبغي أن يكون أهل الجبال أشد من ذلك حذرا .
ولما ذكر النذير والمنذرين ومكانهم لما ذكر من المقاصد ، ذكر أنهم أعرضوا عنه ولم يكن بدعا من الرسل ولا كان قومه جاهلين بأحوالهم ، فاستحقوا العذاب تحذيرا من مثل حالهم ، فقال :
وَقَدْ
أي والحال أنه قد
خَلَتِ
أي مرت ومضت وماتت
النُّذُرُ
أي الرسل الكثيرون الذين محط أمرهم الإنذار .
ولما لم يكن إرسالهم بالفعل مستغرقا لجميع الأزمنة ، أدخل الجار فقال :
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
أي قبله كنوح وشيث وآدم عليهم الصلاة والسّلام فما كان بدعا منهم
وَمِنْ خَلْفِهِ
أي الذين أتوا من بعده فما كنت أنت بدعا منهم . ولما أشار إلى كثرة الرسل ، ذكر وحدتهم في أصل الدعاء ، فقال مفسرا للإنذار معبرا بالنهي :
أَلَّا تَعْبُدُوا
أي أيها العباد المنذرون ، بوجه من الوجوه ، شيئا من الأشياء
إِلَّا اللَّهَ
الملك الذي لا ملك