أي دعاء عبادة ، ونبه على سفولهم بقوله تعالى :
مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي الملك الأعظم الذي كل شيء دونه ، فلا كفوء له .
ولما كان من المعلوم أن الاستفهام عن رؤية ما مشاهدتهم له معلومة لا يصح إلا بتأويل أنه عن بعض الأحوال ، وكان التقدير : أهم شركاء في الأرض ، استأنف قوله :
أَرُونِي ما
وأكد الكلام بقوله سبحانه وتعالى :
ما ذا خَلَقُوا
أي اخترعوه
مِنَ الْأَرْضِ
ليصح ادعاء أنهم شركاء فيها باختراع ذلك الجزء . ولما كان معنى الكلام وترجمته : أروني أهم شركاء في الأرض ؟ عادله بقوله :
أَمْ لَهُمْ
أي الذين تدعونهم
شِرْكٌ فِي السَّماواتِ
أي نوع من أنواع الشركة : تدبير - كما يقول أهل الطبائع ، أو خلق أو غيره ، أروني ذلك الذي خلقوه منها ليصح ادعاؤكم فيهم واعتمادكم عليهم بسببه .
فالآية من الاحتباك : ذكر الخلق أولا دليلا على حذفه ثانيا ، والشركة ثانيا دليلا على حذفها أولا .
ولما كان الدليل أحد شيئين : سمع وعقل ، قال تعالى :
ائْتُونِي
أي حجة على دعواكم في هذه الأصنام أنها خلقت شيئا ، أو أنها تستحق أن تعبد
بِكِتابٍ
أي واحد يصح التمسك به ، لا أكلفكم إلى الإتيان بأكثر من كتاب واحد . ولما كانت الكتب متعددة ولم يكن كتاب قبل القرآن عاما لجميع ما سلف من الزمان ، أدخل الجار فقال تعالى :
مِنْ قَبْلِ هذا
أي الذي نزل عليّ كالتوراة والإنجيل والزبور ، وهذا من أعلام النبوة فإنها كلها شاهدة بالوحدانية ، لو أتى بها آت لشهدت عليه .
ولما ذكر الأعلى الذي لا يجب التكليف إلا به ، وهو النقل القاطع ، سهل عليهم فنزل إلى ما دونه الذي منه العقل ، وأقنع منه ببقية واحدة ولو كانت أثرا لا عينا فقال :
أَوْ أَثارَةٍ
أي بقية رسم صالح للاحتجاج ، قال ابن برجان : وهي البقية من أثر كل شيء يرى بعد ذهابه وحال رؤيته بأثرها خلف عن سلف يتحدثون بها في آثارهم ، قال البغوي : وأصل الكلمة من الأثر وهو الرواية .
مِنْ عِلْمٍ
أي قطعي بضرورة أو تجربة أو مشاهدة أو غيره ولو ظنا يدل على ما ادعيتم فيهم من الشركة . ولما كان لهم من النفرة من الكذب واستشناعه واستبشاعه واستفظاظه ما ليس لأمة من الأمم ، أشار إلى تقريعهم بالكذب إن لم يقيموا دليلا على دعواهم بقوله تعالى :
إِنْ كُنْتُمْ
أي بما هو لكم كالجبلة
صادِقِينَ *
أي عريقين في الصدق على ما تدعون لأنفسكم .
ولما أبطل سبحانه وتعالى قولهم في الأصنام بعدم قدرتها على إتيان شيء من ذلك لأنها من جملة مخلوقات في الأصل ، أتبعه إبطاله بعدم علمها ليعلم قطعا أنهم أضل الناس حيث ارتبطوا في أجل الأشياء - وهو أصول الدين - بما لا دليل عليه أصلا ،