تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
شاءَ
يعذبهم بموتهم على النفاق
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
أي بما يرون من صدقه سبحانه في إعزاز أوليائه وإذلال أعدائه بقدرته التامة حيث كانوا قاطعين بخلاف ذلك . ولما كانت توبة المنافقين مستبعدة لما يرون من صلابتهم في الخداع وخبث سرائرهم ، قال معللا ذلك كله على وجه التأكيد :
إِنَّ اللَّهَ
أي بما له من الجلال والجمال
كانَ
أزلا وأبدا
غَفُوراً رَحِيماً
يستر الذنب وينعم على صاحبه بالكرامة ، أما في الإثابة لكل فالرحمة عامة ، وأما في تعذيب المنافق فيخص الصادقين ، لأن عذاب أعدائهم من أعظم نعيمهم ، وفي حكمه بالعدل عموم الرحمة أيضا ، فهو لا يعذب أحدا فوق ما يستحق .

[ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 25 إلى 27 ]

وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ( 25 ) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً ( 26 ) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ( 27 ) ولما ذكرهم سبحانه نعمته بما أرسل على أعدائهم من جنوده ، وبين أحوال المنافقين والصادقين وما له في ذلك من الأسرار ، وختم بهاتين الصفتين ، قال مذكرا بأثرهما فيما خرقه من العادة بصرف الأعداء على كثرتهم وقوتهم على حالة لا يرضاها لنفسه عاقل ، عاطفا على قوله في أول السورة والقصة
فَأَرْسَلْنا
:
وَرَدَّ اللَّهُ
أي بما له من صفات الكمال
الَّذِينَ كَفَرُوا
أي ستروا ما دلت عليه شموس عقولهم من أدلة الوحدانية وحقية الرسالة ، وهم من تحزب من العرب وغيرهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بلادهم عن المدينة ومضايقة المؤمنين ، حال كونهم
بِغَيْظِهِمْ
الذي أوجب لهم التحزب ثم الذي أوجب لهم التفرق عن غير طائل حال كونهم
لَمْ يَنالُوا خَيْراً
لا من الدين ولا من الدنيا ، بل خذلهم بكل اعتبار . ولما كان الرد قد يكون بسبب من عدوهم ، بين أن الأمر ليس كذلك فقال :
وَكَفَى اللَّهُ
أي العظيم بقوته وعزته عباده ، ودل على أنه ما فعل ذلك إلا لأجل أهل الإخلاص فقال :
الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ
بما ألقى في قلوبهم من الداعية للانصراف بالريح والجنود من الملائكة وغيرهم منهم نعيم بن مسعود كما تقدم . ولما كان هذا أمرا باهرا ، أتبعه ما يدل على أنه عنده يسير فقال :
وَكانَ اللَّهُ
أي الذي له كل صفة كمال دائما أزلا وأبدا
قَوِيًّا
لا يعجزه شيء
عَزِيزاً
يغلب كل شيء .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 95 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي