تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
السئ - على قراءة البصري ، وأنتم أيها المسلمون من حفر الخندق وغيره من الصدق في الإيمان وغيره - على قراءة الباقين
بَصِيراً
بالغ الإبصار والعلم ، فدبر في هذه الحرب ما كان المسلمون به الأعلين ولم ينفع أهل الشرك قوتهم ، ولا أغنت عنهم كثرتهم ، ولا ضر المؤمنين قلتهم ، وجعلنا ذلك سببا لإغنائهم بأموال بني قريظة ونسائهم وأبنائهم وشفاء لأدوائهم بإراقة دمائهم - كما سيأتي ؛ ثم ذكرهم الشدة التي حصلت بتمالئهم فقال مبدلا من
إِذْ
الأولى :
إِذْ جاؤُكُمْ
أي الجنود المذكورون بادئا بالأقرب إليهم ، لأن الأقرب أبصر بالعورة وأخبر بالمضرة . ولما كان من المعلوم أنهم لم يطبقوا ما علا وما سفل ، أدخل أداة التبعيض فقال :
مِنْ فَوْقِكُمْ
يعني بني قريظة وأسد وغطفان من ناحية مصب السيول من المشرق ، وأضاف الفوق إلى ضميرهم لأن العيال كانوا في الآكام ، وهي بين بني قريظة وبين من في الخندق ، فصاروا فوق العيال والرجال . ولما كان المراد الفوقية من جهة علو الأرض ، أوضحها بقوله :
وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
دون أن يقول : أسفلكم ، وأفاد ذلك أيضا أن من في الأسفل إنما أحاطوا ببعض جهة الرجال فقط ، ولم يقل « ومن تحتكم » لئلا يظن أنه فوق الرؤوس وتحت الأرجل ، ولم يقل في الأول « من أعلى منكم » لئلا يكون فيه وصف للكفرة بالعلو ، وأسفل الأرض المدينة من ناحية المغرب يعني قريشا ، ومن لافّها من كنانة فإن طريقهم من تلك الجهة . ولما ذكرهم بالمجيء الذي هو سبب الخوف ، ذكرهم بالخوف بذكر ظرفه أيضا مفخما لأمره بالغطف فقال :
وَإِذْ
أي واذكروا حين ، وأنث الفعل وما عطف عليه لأن التذكير الذي يدور معناه على القوة والعلو والصلابة ينافي الزيغ فقال :
زاغَتِ الْأَبْصارُ
أي مالت عن سداد القصد فعل الواله الجزع بما حصل من الغفلة الناشئة عن الدهشة الحاصلة من الرعب ، وقطع ذلك عن الإضافة إلى كاف الخطاب إبقاء عليهم وتعليما للأدب في المخاطبة ، وكذا
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ
كناية عن شدة الرعب والخفقان ، ويجوز - وهو الأقرب - أن يكون ذلك حقيقة بجذب الطحال والرئة لها عند ذلك بانتفاخهما إلى أعلى الصدر ، ومنه قولهم للجبان : انتفخ منخره أي رئته
الْحَناجِرَ
جمع حنجرة ، وهي منتهى الحلقوم ، ومن هذا قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي اللّه عنه « شر ما في الإنسان جبن خالع » « 1 » أي يخلع القلب من مكانه ، وجمع الكثرة إشارة إلى أن ذلك عمهم أو كاد .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 2 / 302 - 320 وأبو داود 2511 وابن أبي شيبة 9 / 98 وابن حبان 3250 والبخاري في التاريخ 6 / 8 - 9 والبيهقي 9 / 170 وأحمد 2 / 320 من حديث أبي هريرة وإسناده جيد .