كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا ، فأنزل اللّه
وَما كُنْتُمْ
« 1 » - الآية ، قال البغوي ؛ قيل : الثقفي عبد ياليل وختناه ، والقرشيان : ربيعة وصفوان بن أمية .
ولما كان ذكر المعصية وما جرأ عليها يقتضي انتقاصا يقدح في الإلهية ، بين أنه الموجب للغضب فقال :
وَذلِكُمْ
أي الأمر العظيم في القباحة ، ثم بينه بقوله :
ظَنُّكُمُ
أي الفاسد ، ووصفه بقوله :
الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ
أي الذي طال إحسانه إليكم من أنه لا يعلم حالكم ، ثم أخبر عنه بقوله : ( أردناكم ) أي تسبب عنه خاصة أنه أهلككم . وأما معاصي الجوارح مع التوحيد والتنزيه فأمرها أسهل ، والحاصل أن كل ظن كان غير مأذون فيه من الشارع فهو يردي صاحبه .
ولما كان الصباح محل رجاء الأفراح ، فكان شر الأتراح ما كان فيه ، قال :
فَأَصْبَحْتُمْ
أي بسبب أن ما أعطيتموه من النعم لتستنقذوا به أنفسكم من الهلاك كان سبب هلاككم
مِنَ الْخاسِرِينَ *
أي العريقين في الخسارة ، المحكوم بخسارتهم في جميع ذلك اليوم ، وصوره بأقبح صورة وهو الصباح ، فالمعنى أنه إذا صار حالكم حال من أصبح كذلك لم يكن للربح وقت يتدارك فيه بخلاف ما لو وجد ذلك عند المساء فإنه كان ينتظر الصباح للسعي في الربح ، ويوم القيامة لا يوم بعده يسعى فيه للربح ، فينبغي للمؤمن أن يكون حال خلوته أشد ما يكون هيبة للّه .
ولما كان ذلك ، تسبب عنه قوله لافتا القول عن خطابهم إيذانا بشدة الغضب وإشارة إلى أنهم لما وصلوا إلى ما ذكر من الحال أعيا عليهم المقال ، فلم يقدروا على نطق بلسان ، ولا إشارة برأس ولا بنان :
فَإِنْ يَصْبِرُوا
أي على ما جوزوا به فليس صبرهم بنافعهم ، وهو معنى قوله :
فَالنَّارُ مَثْوىً
أي منزلا
لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا
أي يطلبوا الرضى بزوال العتب ، وهو المؤاخذة بالذنب
فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ *
أي المرضيين الذين يزال العتب عليهم عنهم ليعفي عنهم ويترك عذابهم .
ولما ذكر وعيدهم في الدنيا والآخرة ، أتبعه كفرهم الذي هو سبب الوعيد ، وعطفه على ما تقديره : فإنّا طبعناهم طبيعة سوء تقتضي أنهم لا ينفكون عما يوجب العتب ، فأعرضوا ولم تنفعهم النذري بصاعقة عاد وثمود ، فقال صارفا القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى أن التصرف في القلوب أمر عظيم جدا :
وَقَيَّضْنا
أي جئنا وأتحنا وبعثنا وسببنا ووكلنا وهيأنا ، من القيض الذي هو المثل ، وقشر البيضة الأعلى اليابس
لَهُمْ
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 4817 ومسلم 2775 وأحمد 1 / 381 و 408 و 426 عن عبد اللّه بن مسعود به .