أي الذي كان مختلطا به بإزالة الضوء وكشفه عن حقيقة الليل
فَإِذا هُمْ
بعد إزالتنا للنهار الذي سلخناه من الليل
مُظْلِمُونَ *
أي داخلون في الظلام بظهور الليل الذي كان الضياء ساترا له كما يستر الجلد الشاة ، قال الماوردي : وذلك أن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا خرج منه أظلم - نقله ابن الجوزي عنه ، وقد أرشد السياق حتما إلى أن التقدير : والنهار نسلخ منه الليل الذي كان ساتره وغالبا عليه فإذا هم مبصرون .
ولما ذكر الوقتين ، ذكر آيتيهما فقال :
وَالشَّمْسُ
أي التي سلخ النهار من الليل بغيبوبتها
تَجْرِي
ولما كان غيابها بالليل مثل سكون الإنسان في مبيته ، وجعلها على خط قدر لسيرها كل يوم بتقدير لا زيغ فيه ومنهاج لا يعوج ، قال :
لِمُسْتَقَرٍّ
أي عظيم
لَها
وهو السير الذي لا تعدوه جنوبا ولا شمالا ذاهبة وآئبة ، وهي فيه مسرعة - بدليل التعبير باللام في موضع « إلى » ويدل على هذا قراءة « لا مستقر لها » بل هي جارية أبدا إلى انقراض الدنيا في موضع مكين محكم هو أهل للقرار ، وعبر به مع أنها لا تستقر ما دام هذا الكون لئلا يتوهم أن دوام حركتها لأجل أن موضع جريها لا يمكن الاستقرار عليه ، ولا ينافي هذا ما في صحيح البخاري وفي كتاب الإيمان من صحيح مسلم عن أبي ذر رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : مستقرها تحت العرش ، وأنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها : ارجعي من حيث جئت ، فتطلع من مغربها « 1 » - هذا لفظ مسلم ، وسيأتي لفظ البخاري ، ويمكن أن يكون المستقر آخر جريها عند إبادة هذا الوجود .
ولما كان هذا الجري على نظام لا يختل على مر السنين وتعاقب الأحقاب تكل الأوهام عن استخراجه ، وتتحير الأفهام في استنباطه ، عظمه بقوله :
ذلِكَ
أي الأمر الباهر للعقول ؛ وزاد في عظمه بصيغة التفعيل في قوله :
تَقْدِيرُ
وأكد ذلك لافتا القول عن مطلق مظهر العظمة إلى تخصيصه بصفتي العزة والعلم تعظيما لهذه الآية تنبيها على أنها أكبر آيات السماء فقال :
الْعَزِيزِ
أي الذي لا يقدر أحد في شيء من أمره على نوع مغالبة ، وهو غالب على كل شيء
الْعَلِيمِ *
أي المحيط علما بكل شيء الذي يدبر الأمر ، فيطرد على نظام عجيب ونهج بديع لا يعتريه وهن ولا يلحقه يوما نوع خلل إلى أن يريد سبحانه إبادة هذا الكون فتسكن حركاته وتفنى موجوداته ، روى البخاري عن
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 4803 و 7433 ومسلم 159 وابن حبان 6153 والبغوي 4293 والطحاوي في المشكل 281 عن أبي ذر رضي اللّه تعالى عنه .