المشبه به وهو كمن أبصر الأمور على حقائقها فاتبع الحسن واجتنب السئ ، لأن المقام يهدي إليه ، وتعجيلا بكشف ما أشكل على السامع من السبب الحامل على رؤية القبيح ، مليحا بقوله مؤكدا ردا على من ينسب إلى غير اللّه فعلا من خير أو شر :
فَإِنَّ
أي السبب في رؤية الأشياء على غير ما هي عليه إن
اللَّهَ
أي الذي له الأمر كله
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ
فلا يرى شيئا على ما هو به ، فيقدم على الهلاك البين وهو يراه عين النجاة
وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
فلا يشكل عليه أمر ولا يفعل إلا حسنا .
ولما كان المحب من يرضى بفعل حبيبه ، سبب عن ذلك النهي لأكمل خلقه عن الغم بسبب ضلالهم في قوله :
فَلا
والأحسن أن يقدر المشبه به هنا فيكون المعنى :
أفمن غر فعمل القبيح فاعتقده حسنا لأن اللّه أضله بسبب أن اللّه هو المتصرف في القلوب كمن بصره اللّه بالحقائق ؟
ولما كان الجواب : لا ، ليس هما سواء سبب عنه قوله : فلا
تَذْهَبْ
أي بالموت أو ما يقرب منه
نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ
أي بسبب ما هم فيه من العمى عن الجليات
حَسَراتٍ
أي لأجل حسراتك المترادفة لأجل إعراضهم ، جمع حسرة وهي شدة الحزن على ما فات من الأمر .
ولما كان كأنه قيل : إنهم يؤذون أولياءك فيشتد أذاهم ، وكان علم الولي القادر بما يعمل عدوه كافيا في النصرة ، قال :
إِنَّ اللَّهَ
أي المحيط بجميع أوصاف الكمال
عَلِيمٌ
أي بالغ العلم ، وأكده تنبيها على أن المقام صعب ، من لم يثبت نفسه بغاية جهده زل لطول إملائه تعالى لهم وحلمه عنهم
بِما يَصْنَعُونَ *
أي مما مرنوا عليه وانطبعوا فيه من ذلك حتى صار لهم خلقا يبعد كل البعد انفكاكهم عنه .
ولما أخبر تعالى أنه لا بد من إيجاد ما وعد به من البعث وغيره ، وحذر كل التحذير من التهاون بأمره ، وأنكر التسوية بين المصدق به والمكذب ، وكان السبب في الضلال المميت للقلوب الهوى الذي يغشى سماء العقل ويعلوه بسحابه المظلم فيحول بينه وبين النفوذ ، وكان السبب في السحاب المغطي لسماء الأرض المحيي لميت الحبوب الهوى ، وكان الإتيان به في وقت دون آخر دالّا على القدرة بالاختيار ، قال عاطفا على جملة
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
المبني على النظر ، وهو الإخراج من العدم مبينا لقدرته على ما وعد به :
وَاللَّهُ
أي الذي له صفات الكمال لا شيء غيره من طبيعة ولا غيرها
الَّذِي
ولما كان المراد الإيجاد من العدم ، عبر بالماضي مسندا إليه لأنه الفاعل الحقيقي فقال :
أَرْسَلَ الرِّياحَ
أي أوجدها من العدم مضطربة فيها ، أهلية الاضطراب والسير ليصرفها كيف شاء لا ثابتة كالأرض ، وأسكنها ما بين الخافقين لصلاح مكان الأرض .