ولما ذكر أنه أعطاهم رتبة الصلاح في أنفسهم ، ذكر أنه أعطاهم رتبة الإصلاح لغيرهم ، فقال معظما لإمامتهم :
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً
أي أعلاما ومقاصد يقتدى بهم في الدين بما أعطاهم من النبوة . ولما كان الإمام قد يدعو إلى الردى ، ويصد عن الهدى ، إذا كانت إمامته ظاهرة لا يصحبها صلاح باطن ، احترز عن ذلك بقوله :
يَهْدُونَ
أي يدعون إلينا من وفقناه للهداية
بِأَمْرِنا
وهو الروح الذي هو العمل المؤسس على العلم بإخبار الملائكة به عنا ، ولإفهام ذلك عطف عليه قوله معظما لوحيه إليهم :
وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ
أي أيضا
فِعْلَ
أي أن يفعلوا
الْخَيْراتِ
كلها وهي شرائع الدين ، ولعله عبر بالفعل دلالة على أنهم امتثلوا كل ما أوحي إليهم .
ولما كانت الصلاة أم الخيرات ، خصها بالذكر فقال :
وَإِقامَ الصَّلاةِ
قال الزجاج : الإضافة عوض عن تاء التأنيث . يعني فيكون من الغالب لا من القليل ، وكان سر الحذف تعظيم الصلاة لأنها مع نقصها عن صلاتنا - لما أشار إليه الحذف - بهذه المنزلة من العظمة فما الظن بصلاتنا .
ولما كانت الصلاة بين العبد والحق ، وكان روحها الإعراض عن كل فان ، عطف عليها قوله :
وَإِيتاءَ الزَّكاةِ
أي التي هي مع كونها إحسانا إلى الخلق بما دعت الصلاة إلى الانسلاخ عنه من الدنيا ، ففعلوا ما أوحيناه إليهم
وَكانُوا لَنا
دائما جبلة وطبعا
عَبْدَيْنِ *
أي فاعلين لكل ما يأمرون به غيرهم ، فعل العبد مع مولاه من كل ما يجب له من الخدمة ، ويحق له من التعظيم والحرمة .
ولما كان سبحانه قد سخر لصديقه لوط عليه السّلام إهلاك من عصاه في أول الأمر بحجارة الكبريت التي هي من النار ، وفي آخره بالماء الذي هو أقوى من النار ، تلاه به فقال :
وَلُوطاً
أي وآتيناه أو واذكر لوطا ؛ ثم استأنف قوله :
آتَيْناهُ
أي بعظمتنا
حُكْماً
أي نبوة وعملا محكما بالعلم
وَعِلْماً
مزينا بالعمل
وَنَجَّيْناهُ
بانفرادنا بالعظمة .
ولما كانت مادة « قرا » تدل على الجمع ، قال :
مِنَ الْقَرْيَةِ
المسماة سدوم ، أي من عذابهم وجميع شرورهم ، وأفرد تنبيها على عمومها بالقلع والقلب وأنه كان في غاية السهولة والسرعة ، وقال أبو حيان : وكانت سبعا ، عبر عنها بالواحدة لاتفاق أهلها على الفاحشة .
الَّتِي كانَتْ
قبل إنجائنا له منها
تَعْمَلُ الْخَبائِثَ
بالذكران ، وغير ذلك من الطغيان ، فاستحقوا النار التي هي أمر المؤلمات ، بما ارتكبوا من الشهوة المحظورة لعدهم لها أحلى الملذذات ، والغمر بالماء القذر المنتن الذي جعلناه - مع أنا جعلنا من