تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
ولما تبين الخلف في قولهم على كثرته وادعائهم الحكمة والبلاغة ، وفعلهم على كثرتهم وزعمهم القوة والشجاعة ، ثبت أن أقواله الناقضة لذلك من عند اللّه بما ثبت من استقامة معانيها وإحكامها ، بعد ما اتضح من إعجاز نظومها وحسن التئامها ، فأمره أن يبين لهم ذلك بقوله :
قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ
أيها الكفار
بِالْوَحْيِ
أي الآتي به الملك عن اللّه فلا قدح في شيء من نظمه ولا معناه والحال أنكم لا تسمعون - على قراءة الجماعة والحال أنك لا تسمعهم - على قراءة ابن عامر بضم الفوقانية وكسر الميم ونصب الصم خاصة ، ولكنهم لما كانوا لا ينتفعون بإنذاره لتصامّهم وجعلهم أصابعهم في آذانهم وقت الإنذار عدهم صما ، وأظهر الوصف لتعليق الحكم به فقال :
وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ
أي ممن يدعوهم ، أو يكون معطوفا على ما تقديره : فإن كانت أسماعكم صحيحة سمعتم فأجبتم ، ونبه بقوله :
إِذا ما يُنْذَرُونَ *
على أن المانع لهم مع الصمم كراهة الإنذار ، وبالبناء للمفعول على منذر . ولما كان المنذر لا يترك الاستعداد لما ينذر به من العذاب إلا إذا كان قويا على دفعه . بيّن أنهم على غير ذلك فقال :
وَلَئِنْ
أي لا يسمعون والحال أنه لا قوة بهم ، بل إن
مَسَّتْهُمْ
أي لاقتهم أدنى ملاقاة
نَفْحَةٌ
أي رائحة يسيرة مرة من المرات
مِنْ عَذابِ رَبِّكَ
المحسن إليك بنصرك عليهم
لَيَقُولُنَّ
وقد أذهلهم أمرها عن نخوتهم . وشغلهم قدرها عن كبرهم وحميتهم :
يا وَيْلَنا
الذي لا نرى الآن بحضرتنا غيره
إِنَّا كُنَّا
أي بما لنا مما هو في ثباته كالجبلات
ظالِمِينَ *
أي عريقين في الظلم في إعراضنا وتصامّنا ترفقا وتذللا لعله يكف عنهم . ولما بيّن ما افتتحت السورة من اقتراب الساعة بالقدرة عليه واقتضاء الحكمة له ، وأن كل أحد ميت لا يستطيع شيئا من الدفع عن نفسه فضلا عن غيره ، وختمت الآيات بإقرار الظالم بظلمه ، وكانت عادة كثير من الناس الجور عند القدرة ، بين أنه سبحانه بخلاف ذلك فذكر بعض ما يفعل في حساب الساعة من العدل فقال عاطفا على قوله
« بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً »
:
وَنَضَعُ
فأبرزه في مظهر العظمة إشارة إلى هوانه عنده وإن كان لكثرة الخلائق وأعمال كل منهم متعذرا عندنا
الْمَوازِينَ
المتعددة لتعدد الموزونات أو أنواعها . ولما كانت الموازين آلة العدل ، وصفها به مبالغة فقال
الْقِسْطَ
أي العدل المميز للأقسام على السوية . ولما كان يوم الجزاء علة في وضع المقادير ، عبر باللام ليشمل - مع ما يوضع فيه
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 87 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي