تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 41 إلى 44 ]

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 41 ) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ( 42 ) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ ( 43 ) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ ( 44 ) ولما كان التقدير حاق بهم هذا باستهزائهم بك ، تبعه ما يدل على أن الرسل في ذلك شرع واحد ، تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم وتأسية ، فقال عاطفا على
وَإِذا رَآكَ
:
وَلَقَدِ
مؤكدا له لمزيد التسلية بمساواة إخوانه من الرسل وبتعذيب أعدائه . ولما كان المخوف نفس الاستهزاء لا كونه من معين ، بني للمفعول قوله :
اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ
أي كثيرين . ولما كان معنى التنكير عدم الاستغراق ، أكده بالخافض فقال :
مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ
أي فأحاط
بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ
لكفرهم
ما كانُوا
بما هو لهم كالجبلة
بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ *
من الوعود الصادقة كبعض من سألوه الإتيان بمثل آياتهم كقوم نوح ومن بعدهم . ولما هددهم بما مضى مما قام الدليل على قدرته عليه ، وختمه - لوقوفهم مع المحسوسات - بما وقع لمن قبلهم ، وكان الأمان عن مثل ذلك لا يكون إلا بشيء يوثق به ، أمره أن يسألهم عن ذلك بقوله :
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ
أي يحفظكم ويؤخركم ويكثر رزقكم ، وهو استفهام توبيخ . ولما استوى بالنسبة إلى قدرته حذرهم وغفلتهم ، قال :
بِاللَّيْلِ
أي وأنتم نائمون . ولما كانت مدافعة عذابه سبحانه غير ممكنة لنائم ولا يقظان قال :
وَالنَّهارِ
أي وأنتم مستيقظون . ولما كان لا منعم بكلاية ولا غيرها سواه سبحانه ، ذكرهم بذلك بصفة الرحمة فقال :
مِنَ الرَّحْمنِ
الذي لا نعمة بحراسة ولا غيرها إلا منه حتى أمنتم مكره ولو بقطع إحسانه ، فكيف إذا ضربكم بسوط جبروته وسطوة قهره وعظموته . ولما كان الجواب قطعا : ليس لهم من يكلؤهم منه وهو معنى الاستفهام الإنكاري ، قال مضربا عنه :
بَلْ هُمْ
أي في أمنهم من سطواته
عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ
الذي لا يحسن إليهم غيره
مُعْرِضُونَ *
فهم لا يذكرون أصلا فضلا عن أن يخشوا بأسه وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان . ولما أرشد السياق إلى أن التقدير : أصحيح هذا الذي أشرنا إليه من أنه لا مانع لهم منا ، عادله بقوله إنكارا عليهم :
أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ
موصوفة بأنها
تَمْنَعُهُمْ
نوب