لكل عاقل أنه يجب عليكم أن تنادموا الويل بميلكم كل الميل ، وإن وصفتم اللّه أو الدنيا أو غيرهما فكذلك إنما أنتم متعلقون بقشور وظواهر لا يرضاها إلا بعيد عن العقل محجوب عن الإدراك ؛ ثم عطف أيضا على ما لزم من ذلك القذف قوله :
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ
أي الأجرام العالية وهي ما تحت العرش ، وجمع السماء هنا لاقتضاء تعميم الملك ذلك .
ولما كانت عقولهم لا تدرك تعدد الأراضي ، وحد فقال :
وَالْأَرْضِ
أي ومن فيها ، وذلك شامل - على أن التعبير بمن لتغليب العقلاء - للسماوات والأرض ، لأن الأرض في السماوات ، وكل سماء في التي فوقها ، والعليا في العرش وهو سبحانه ذو العرش العظيم - كما سيأتي قريبا ، فدل ذلك دلالة عقلية على أنه مالك الكل وملكه .
ولما كانوا يصفون الملائكة بما لهم الويل من وصفه ، خصهم بالذكر معبرا عن خصوصيتهم وقربهم بالعندية تمثيلا بما نعرف من أصفياء الملوك عند التعبير بعند من مجرد القرب في المكانة لا في المكان فقال :
وَمَنْ عِنْدَهُ
أي هم له حال كونهم
لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ
بنوع كبر طلبا ولا إيجادا
وَلا يَسْتَحْسِرُونَ *
أي ولا يطلبون أن ينقطعوا عن ذلك فأنتج ذلك قوله :
يُسَبِّحُونَ
أي ينزهون المستحق للتنزيه بأنواع التنزيه من الأقوال والأفعال التي هي عبادة ، فهي مقتضية مع نفي النقائص إثبات الكمال
اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
أي في جميع آنائهما دائما . ولما لم يصرح هنا بإنكار منهم ، ولا ما يستلزمه من الاستكبار ، لم يؤكد ولا عطف بالواو فقال :
لا يَفْتُرُونَ *
عن ذلك في وقت من الأوقات بخلاف ما في ( فصلت ) فإن الأمر فيها مبني على حد استكبارهم المستلزم لإنكارهم المقتضي للتأكيد ، وكل هذا في حيز ( إذا ) أي إذا أنزلنا شيئا من القرآن منبها على أقاويلكم مبينا لأباطيلكم ، فاجأه ظهور الزهوق للباطل ، والويل لكم والملك له سبحانه منزها عن كل نقص ثابتا له بالعبادة كل كمال ، ويجوز أن يعطف على
نَقْذِفُ .
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 21 إلى 28 ]
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ( 21 ) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 22 ) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ( 23 ) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 24 ) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ( 25 )
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ( 26 ) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ( 27 ) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ( 28 )