تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
ولما تم ذلك على هذا الوجه ، نبه أنه يتعين على كل ذي لب الإقبال عليه والمسارعة إليه ، فحسن جدا قوله منكرا عليهم منبها على أن علم ذلك لا يحتاج إلى غير العقل المجرد عن الهوى :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ * .
ولما كان التقدير : فإن عدلتم بقبوله شرفناكم ، وإن ظلمتم برده عنادا أهلكناكم كما أهلكنا من كان قبلكم ، عطف عليه قوله :
وَكَمْ قَصَمْنا
أي بعظمتنا
مِنْ قَرْيَةٍ
جعلناها كالشئ اليابس الذي كسر فتباينت أجزاؤه ، والإناء الذي فت فانكب ماؤه ؛ وأشار بالقصم الذي هو أفظع الكسر إلى أنها كانت باجتماع الكلمة وشدة الشكيمة كالحجر الرخام في الصلابة والقوة ، و « كم » في هذا السياق يقتضي الكثرة ، ثم علل إهلاكها وانتقالها بقوله :
كانَتْ ظالِمَةً
ثم بين الغنى عنها بقوله :
وَأَنْشَأْنا
أي بعظمتنا . ولما كان الدهر لم يخل قط بعد آدم من إنشاء وإفناء ، فكان المراد أن الإنشاء بعد الإهلاك يستغرق الزمان على التعاقب ، بيانا لأن المهلكين ضروا أنفسهم من غير افتقار إليهم ، أسقط الجار فقال :
بَعْدَها قَوْماً
أي أقوياء ، وحقق أنهم لا قرابة قريبة بينهم بقوله :
آخَرِينَ *
ثم بين حالها عند إحلال البأس بها فقال :
فَلَمَّا أَحَسُّوا
أي أدرك أهلها بحواسهم
بَأْسَنا
أي بما فيه من العظمة
إِذا هُمْ
أي من غير توقف أصلا
مِنْها
أي القرية
يَرْكُضُونَ *
هاربين عنها مسرعين كمن يركض الخيل - أي يحركها - للعدو ، بعد تجبرهم على الرسل وقولهم لهم
لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا
[ إبراهيم : 13 ] فناداهم لسان الحال تقريعا تبشيعا لحالهم وتفظيعا :
لا تَرْكُضُوا
وصور التهكم بهم بأعظم صوره فقال :
وَارْجِعُوا
إلى قريتكم
إِلى ما .
ولما كان التأسيف إنما هو على العيش الرافه لا على كونه من معط معين ، بني للمفعول قوله :
أُتْرِفْتُمْ فِيهِ
أي منها ، ويجوز أن يكون بني للمجهول إشارة إلى غفلتهم عن العلم لمن أترفهم أو إلى أنهم كانوا ينسبون نعمتهم إلى قواهم ، ولو عدوها من اللّه لشكروه فنفعهم . ولما كان أعظم ما يؤسف عليه بعد العيش الناعم المسكن ، قال :
وَمَساكِنِكُمْ
أي التي كنتم تفتخرون بها على الضعفاء من عبادي بما أتقنتم من بنائها ، وأوسعتم من فنائها ، وعليتم من مقاعدها ، وحسنتم من مشاهدها ومعاهدها
لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ *
في الإيمان بما كنتم تسألون ، فتابوا بما عندكم من الأنفة ومزيد الحمية والعظمة ، أو تسألون في الحوائج والمهمات ، كما يكون الرؤساء في مقاعدهم العلية ، ومراتبهم البهية ، فيجيبون سائلهم بما شاؤوا على تؤدة وأحوال مهل تخالف أحوال الراكض العجل
أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ
[ إبراهيم : 44 ] .