تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
الحال يقتضي إنكار أن يغفل أحد عنها ، لما لها من واضح الدلائل أقربه أن اسم ضدها يدل عليها ، لأنه لا تكون دنيا إلا في مقابلة قصيا ، ولا أولى إلا بالنسبة إلى أخرى ، فقال :
وَهُمْ
أي هؤلاء الموصوفون خاصة
عَنِ الْآخِرَةِ
التي هي المقصود بالذات وما خلقت الدنيا إلا للتوصل بها إليها ليظهر الحكم بالقسط وجميع صفات العز والكبر والجلال والإكرام
هُمْ غافِلُونَ *
أي في غاية الاستغراق والإضراب عنها بحيث لا يخطر في خواطرهم ، فصاروا لاستيلاء الغفلة عليهم إذا ذكرت لهم كذبوا بها ، واستهزؤوا بالمخبر ، ولم يجوزوها نوع تجويز مع أن دلائلها تفوت الحصر ، وتزيد على العد ، فصاروا كأنهم مخصوصون بالغفلة عنها من بين سائر الناس ومخصصون لها بالغفلة من بين سائر الممكنات ، فلذلك لا يصدقون الوعد بإدالة الروم لما رسخ في نفوسهم من أن الأمور تجري بين العباد على غير قانون الحكمة ، لأنهم كثيرا ما يرون الظالم يموت ولم يقتص منه ، وهم في غفلة عن أنه أخر جزاؤه إلى يوم الدين ، يوم يكشف الجبار حجاب الغفلة ويظهر عدله وفضله ، وتوضع الموازين القسط ، فتطيش بمثاقيل الذر ، ويقتص للمظلومين من الظالمين ، ومن أريد القصاص منه عاجلا فعل ، وقضية الروم هذه من ذلك ، وهذا السياق يدل على أنه لا حجاب عن العلم أعظم من التكذيب بالآخرة ، ولا شيء أعون عليه من التصديق بها والاهتمام بشأنها ، لأن ذلك حامل على طلب الخلاص في ذلك اليوم ، وهو لا يكون على أتم الوجوه إلا لمن وصل إلى حالة المراقبة ، وذلك لا يكون إلا لمن علم إما بالكشف أو الكسب كل علم فلم يتحرك حركة إلا بدليل يبيحها له ويحمله عليها ، وبهذا التقرير يظهر أن هاتين الجملتين بكمالهما علة لنفي العلم عنهم ، والمعنى أن العلم منفي عنهم لما شغل قلوبهم من هذا الظاهر في حال غفلتهم عن الآخرة ، فانسد عليهم باب العلم - واللّه الموفق . ولما كان التقدير : أفلم يتدبروا القرآن وما كشف لهم عنه من الحكم والأمور التي وعد اللّه بها على لسان نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم فيه أو في السنة ، فكانت على حسب ما وعد ، أو لم يتأملوا مصنوعات اللّه عموما فتدلهم عقولهم منها على أنه لا يصلح للإلهية إلا من كان حكيما ، ولا يكون حكيما إلا من صدق في وعده ، وأنه لا تتم الحكمة إلا بإيجاد الآخرة ، عطف عليه قوله منكرا عليهم موبخا لهم :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا
أي يجتهدوا في إعمال الفكر ، ثم ذكر آلة الفكر زيادة في تصوير حال المتفكرين والتذكير بهيئة المعتبرين فقال :
فِي أَنْفُسِهِمْ
ويجوز أن تكون هي المتفكر فيه فيكون المعنى : يتفكروا في أحوالها خصوصا فيعلموا أن من كان منهم قادرا كاملا لا يخلف وعده وهو إنسان ناقص ، فكيف بالإله الحق ، ويعلموا أن الذي ساوى بينهم في الإيجاد من العدم