تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
سواه ، فليبادر من أنقذه من الكفر وهداه إلى الهجرة طالبا لرضاه :
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ
أي كثير من الدواب العاقلة وغيرها
لا تَحْمِلُ
أي لا تطيق أن تحمل
رِزْقَهَا
ولا تدخر شيئا لساعة أخرى ، لأنها قد لا تدرك نفع ذلك ، وقد تدركه وتتوكل ، أو لا تجد . ولما كان موضع أن يقال : فمن يرزقها ؟ قال جوابا له :
اللَّهُ
أي المحيط علما وقدرة ، المتصف بكل كمال
يَرْزُقُها
وهي لا تدخر
وَإِيَّاكُمْ
وأنتم تدخرون ، لا فرق بين ترزيقه لها على ضعفها وترزيقه لكم على قوتكم وادخاركم ، فإن الفريقين تارة يجدون وتارة لا يجدون ، فصار الادخار وعدمه غير معتد به ولا منظورا إليه . ولما كان أهم ما للحيوان الرزق ، فهو لا يزال في تدبيره بما يهجس في ضميره وينطق به إن كان ناطقا ويهمهم به إن كان صامتا ، أما العاقل فبأمور كلية ، وأما غيره فبأشياء جزئية وحدانية ، وكان العاقل ربما قال : إني لا أقدر على قطع العلائق من ذلك ، قال تعالى :
وَهُوَ السَّمِيعُ
أي لما يمكن أن يسمع في أمره وغير أمره
الْعَلِيمُ *
أي بما يعلم من ذلك ، وبما يصير إليه أمركم وأمر عدوكم ، فهو لم يأمركم بما أمركم به إلا وقد أعد له أسبابه ، وهو قادر على أن يسبب لما اعتمد عليه الإنسان من الأسباب المنتجة عنده ولا بد ما يعطله ، وعلى أن يسبب للمتوكل القاطع للعلائق ما يغنيه ، ومن طالع كتب التصوف وتراجم القوم وسير السلف - نفعنا اللّه بهم - وجد كثيرا من ذلك بما يبصره ويسليه ويصبره . ولما هوّن سبحانه أمر الرزق بخطابه مع المؤمنين بعد أن كان قد أبلغ في تنبيه الكافرين بإيضاح المقال ، وضرب الأمثال ، ولين المحاورة في الجدال ، ولما كان الملك لا يتمكن غاية التمكن من ترزيق من في غير مملكته ، قال عاطفا على نحو : فلئن سألتهم عن ذلك ليصدقنك عائدا إلى استعطاف المعرضين ، واللطف بالغافلين ، ناهجا في تفنين الوعظ أعني طرق الحكمة ، فإن السيد إذا كان له عبدان : مصلح ومفسد ، ينصح المفسد ، فإن لم يسمع التفت إلى المصلح ، إعراضا عنه قائلا : هذا لا يستحق الخطاب ، فاسمع أنت ولا تكن مثله ، فكان قوله متضمنا نصح المصلح وزجر المفسد ، ثم إذا سمع وعظ أخيه كان ذلك محركا منه بعد التحريك بالإعراض والذم بسوء النظر لنفسه وقلة الفطنة ، فإذا خاطبه بعد هذا وجده متهيئا للقبول ، نازعا إلى الوفاق ، مستهجنا للخلاف :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
أي المؤمن وغيره ، وأغلب القصد له :
مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
وسواهما على هذا النظام العظيم
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
لإصلاح الأقوات ، ومعرفة الأوقات ، وغير ذلك من المنافع . ولما كان حالهم في إنكار البعث حال من ينكر أن يكون سبحانه خلق هذا الوجود ، أكد تنبيها على أن الاعتراف بذلك يلزم منه قطعا الاعتراف بالبعث فقال :