تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 573

مساهمون:

ص٥٧٣
والذين كفروا لنركسنهم في جهنم دركات تحت دركات فبئس مثوى الظالمين ، ولكنه لما تقدم ذكر العذاب قريبا ، وكان القصد هنا الترغيب في الإيمان كيفما كان ، طواه ودل عليه بأن عطف عليه قوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
أي تصديقا لإيمانهم
الصَّالِحاتِ
أي كلها . ولما كان الكفار ينكرون البعث ، فكيف ما بعده ، أكد قوله :
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ
أي لنسكننهم في مكان هو جدير بأن يرجع إليه من حسنه وطيبه من خرج منه لبعض أغراضه ، وهو معنى
مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً
أي بيوتا عالية تحتها قاعات واسعة بهية عالية ، وقريب من هذا المعنى قراءة حمزة والكسائي بالثاء المثلثة من ثوى بالمكان - إذا أقام به . ولما كانت العلالي لا تروض إلا بالرياض قال :
تَجْرِي
ولما كان عموم الماء لجهة التحت بالعذاب أشبه ، بعضه فقال :
مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
ومن المعلوم أنه لا يكون في موضع أنهار ، إلا كان به بساتين كبار ، وزروع ورياض وأزهار - فيشرفون عليها من تلك العلالي . ولما كانت بحالة لا نكد فيها يوجب هجره في لحظة ما ، كنى عنه بقوله :
خالِدِينَ فِيها
أي لا يبغون عنها حولا ؛ ثم عظم أمرها ، شرف قدرها ، بقوله :
نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
ثم وصفهم بما يرغب في الهجرة ، فقال معرفا بجماع الخير كله الصبر وكونه على جهة التفويض للّه ، منبها على أن الإنسان لا ينفك عن أمر شاق ينبغي الصبر عليه :
الَّذِينَ صَبَرُوا
أي أوجدوا هذه الحقيقة حتى استقرت عندهم فكانت سجية لهم ، فأوقعوها على كل شاق من التكاليف من هجرة وغيرها . ولما كان الإنسان إلى المحسن إليه أميل ، قال مرغبا في الاستراحة بالتفويض إليه :
وَعَلى رَبِّهِمْ
أي وحده لا على أهل ولا وطن
يَتَوَكَّلُونَ *
أي يوجدون التوكل إيجادا مستمر التجديد عند كل مهم يعرض لهم في إرزاقهم بعد الهجرة وغيرها وجهاد أعدائهم وغير ذلك من أمورهم .

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 60 إلى 63 ]

وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 60 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 61 ) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 62 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 63 ) ولما أشار بالتوكل إلى أنه الكافي في أمر الرزق في الوطن والغربة ، لا مال ولا أهل ، قال عاطفا على ما تقديره : فكأيّ من متوكل عليه كفاه ، ولم يحوجه إلى أحد