تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 565

مساهمون:

ص٥٦٥
ولما كان كل من جادل منهم في القرآن ظالما ، كان من الواضح أن المراد بمن استثنى في قوله تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
أي تجاوزوا في الظلم بنفي صحة القرآن وإنكار إعجازه مثلا وأن يكون على أساليب الكتب المتقدمة ، أو مصدقا لشيء منها ، أو بقولهم
ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 91 ] ونحو هذا من افترائهم ، فإن هؤلاء يباح جدالهم ولو أدى إلى جلادهم بالسيف ، فإن الدين يعلو ولا يعلى عليه . ولما نهى عن موجب الخلاف ، أمر بالاستعطاف ، فقال :
وَقُولُوا آمَنَّا
أي أوقعنا الإيمان
بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا
أي من هذا الكتاب المعجز
وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
من كتبكم ، يعني في أن أصله حق وإن كان قد نسخ منه ما نسخ ، وما حدثوكم به من شيء ليس عندكم ما يصدقه ولا ما يكذبه فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، فإن هذا أدعى إلى الإنصاف ، وأنفى للخلاف . ولما لم يكن هذا جامعا للفريقين ، أتبعه بما يجمعهما فقال :
وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ
ولما كان من المعلوم قطعا أن المراد به اللّه ، لأن المسلمين لا يعبدون غيره ، وكان جميع الفرق مقرين بالإلهية ولو بنوع إقرار لم تدع حاجة إلى أن يقول
إِلهَ *
كما في بقية الآيات فقال :
واحِدٌ
أي لا إله لنا غيره وإن ادعى بعضكم عزيرا والمسيح
وَنَحْنُ لَهُ
خاصة
مُسْلِمُونَ *
أي خاضعون منقادون أتم انقياد فيما يأمرنا به بعد الأصول من الفروع سواء كانت موافقة لفروعكم كالتوجه بالصلاة إلى بيت المقدس ، أو ناسخة كالتوجه إلى الكعبة ، ولا نتخذ الأحبار والرهبان أربابا من دون اللّه لنأخذ ما يشرعونه لنا مخالفا لكتابه وسنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فنكون حينئذ قد خضعنا لهم وتكبرنا عليه فأوقعنا الإسلام في غير موضعه ظلما .

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 47 إلى 50 ]

وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ ( 47 ) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ( 48 ) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ ( 49 ) وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) ولما كان التقدير تعليلا للأمر بهذا القول : إنا أنزلنا كتبهم إلى رسلهم ، عطف عليه قوله مخاطبا للرأس تخصيصا له لئلا يتطرق لمتعنت طعن إلى عموم أو اتهام في المنزل عليه :
وَكَذلِكَ
أي ومثل ذلك الإنزال الذي أنزلناه إلى أنبيائهم
أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ