تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 563

مساهمون:

ص٥٦٣
عظمة ولا جلال ، ولا جمال ولا كمال
السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
أي الأمر الذي يطابقه الواقع ، أو بسبب إظهار أن الواقع يطابق أخباره ، أو بسبب إثبات الحق وإبطال الباطل ، فلا تجد أحدا يفهم عنه حق الفهم مع تساويهم في الإنسانية إلا وهو من أهل السكينة ، والإخبات والطمأنينة ، ولا يعجزه أحد يريد أخذه ، ولا يفلح أحد عصى أنبياءه ، فبانت عزته ، وظهرت حكمته ، فطابق الواقع ما أخبر به ، وأيضا فالأمثال إنما تكون بالمحسوسات ، وهي إما سماوية أو أرضية ، فإيجاد هذه الموجودات إنما هو لأجل العلم باللّه تعالى . ولما كان المراد بالعالم قد يخفى ، بينه بقوله مشيرا بالتأكيد إلى أن حالهم في عدم الانتفاع بالنظر فيها حال من ينكر أن يكون فيها دلالة :
إِنَّ فِي ذلِكَ
أي الأمر العظيم من تأملهم لمطابقة الواقع لإخباره سبحانه ، فلا يخبر بشيء إلا كان الواقع منهما أو مما فيهما يطابقه سواء بسواء
لَآيَةً
أي دلالة مسعدة
لِلْمُؤْمِنِينَ *
أي الذين هم العالمون في الحقيقة ، حداهم علمهم بما في الكونين من المنافع المترتبة على النظام المعروف مع ما في خلقهما أنفسهما مع كبر الأجرام وبديع الإحكام ، على الإيمان بجميع ما أخبر به حتى لم يكن عندهم نوع شك ، وصار لهم صفة لا تنفك . ولما أفاد هذا الخبر كله القرآن الذي لا حق أحقّ منه ، ودل على أن فهم أمثاله يحتاج إلى مزيد علم ، وأن مفتاح العلم به سبحانه رسوخ الإيمان ، خاطب رأس أهل الإيمان لأنه أعظم الفاهمين له ليقتدي به الأتباع فقال :
اتْلُ ما
أي تابع قراءته ؛ ودل على شرفه لاختصاصه به بقوله :
أُوحِيَ إِلَيْكَ
إذ الوحي الإلقاء سرا
مِنَ الْكِتابِ
أي الجامع لكل خير ، فإنه المفيد للإيمان ، مع أنه أحق الحق الذي خلقت السماوات والأرض لأجله ، والإكثار في تلاوته يزيد بصيرة في أمره ، ويفتح كنوز الدقائق من علمه ، وهو أكرم من أن ينيل قارئه فائده وأجلّ من أن يعطي قياد فوائده ويرفع الحجاب عن جواهره وفرائده في أول مرة ، بل كلما ردده القارئ بالتدبر حباه بكنز من أسراره ، ومهما زاد زاده من لوامع أنواره ، إلى أن يقطع بأن عجائبه لا تعد ، وغرائبه لا تحد . ولما أرشد إلى مفتاح العلم ، دل قانون العمل الذي لا يصح إلا بالقرآن ، وهو ما يجمع الهم ، فيحضر القلب ، فينشرح الصدر ، فينبعث الفكر في رياض علومه ، فقال :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ
أي التي هي أحق العبادات ، ثم علل ذلك بقوله دالا بالتأكيد على فخامة أمرها ، وأنه مما يخفى على غالب الناس :
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى
أي توجد النهي وتجدده للمواظب على إقامتها بجميع حدودها
عَنِ الْفَحْشاءِ
أي الخصال التي بلغ قبحها
وَالْمُنْكَرِ
أي الذي فيه نوع قبح وإن دق ، وأقل ما فيها من النهي النهي عن
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 563 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي