تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
هو اللّه المنوه باسمه في هذا النظام ، بالالتفات إلى أسلوب التكلم ، تنبيها لمفات السامعين بما ملأ الصدور وقصم الظهور فقال :
مِنْ رَحْمَتِي
أي من أن أفعل بهم من الإكرام بدخول الجنة وغيرها فعل الراحم ؛ وكرر الإشارة تفخيما للأمر فقال :
وَأُولئِكَ
أي الذين ليس بعد بعدهم بعد ، وتهكم بهم في التعبير بلام الملك التي يغلب استعمالهما في المحبوب فقال :
لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ *
أي مؤلم بالغ إيلامه في الدنيا والآخرة .

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 24 إلى 27 ]

فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 24 ) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 25 ) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 26 ) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 27 ) ولما ختم سبحانه هذه الجملة الاعتراضية بما ابتدأها به وبما ختم به ما قبلها من كلام الخليل عليه الصلاة والسّلام ، وزاد هذا ما ترى من التهديد الشديد ، شرع في إكمال قصته عليه الصلاة والسّلام دالا على أنه لا أحد يعجزه ، ولا يقدر على نصر أحد من عذابه الأليم ، مشيرا إلى أنهم سببوا عن قوله ضد ما يقتضيه إيذانا بالعناد ، والإصرار على سوء الاعتقاد ، فقال :
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ
أي الذين يرجى قبولهم لنصحه علما منهم بوفور شفقته وعظم أمانته ونصيحته
إِلَّا أَنْ قالُوا
بأعظم فظاظة
اقْتُلُوهُ
أي بالسيف
أَوْ حَرِّقُوهُ
أي بالنار . ولما استقر رأي الجميع على هذا الثاني ، ولم يكن له فيهم نصير ، أشار إليه سبحانه بقوله ناسقا له على ما تقديره : فأبى المعظم القتل لأنه عذاب مألوف لمن يستحقه من المجرمين ، وهو قد عمل عملة مفردة في الدهر فالذي ينبغي أن يخص العذاب عليها بعذاب لم يعهد مثله وهو الإحراق على هيئة غريبة ، فرجعوا عن القتل واستقر رأيهم على الإحراق فجمعوا له حطبا إلى أن ملأ ما بين الجبال ، وأضرموا فيه النار حتى أحرقت ما دنا منها بعظيم الاشتعال ، وقذفوه فيها بالمنجنيق
فَأَنْجاهُ اللَّهُ
بما له من كمال العظمة إنجاء وحيّا من غير احتياج إلى تدريج
مِنَ النَّارِ
أي من إحراقها وأذاها ، ونفعته بأن أحرقت وثاقه . ولما اشتملت قصته بهذا السياق على دلائل واضحات ، وأمور معجزات ، عظم
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 550 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي