تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
ولما كان التقدير : فإن تصدقوا فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، عطف عليه قوله :
وَإِنْ تُكَذِّبُوا
والذي دلنا على هذا المحذوف هذه الواو العاطفة على غير معطوف معروف
فَقَدْ
أي فيكفيكم في الوعظ والتهديد معرفتكم بأنه
كَذَّبَ أُمَمٌ
في الأزمان الكائنة
مِنْ قَبْلِكُمْ
كثيرة ، كعاد وثمود وقوم نوح وغيرهم ، فجرى الأمر فيهم على سنن واحد لم يختلف قط في نجاة المطيع للرسول وهلاك العاصي له ، ولم يضر ذلك بالرسول شيئا وما ضروا به إلا أنفسهم
وَما عَلَى الرَّسُولِ
أن يقهركم على التصديق ، بل ما عليه
إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ *
الموضح مع - ظهوره في نفسه - للأمر بحيث لا يبقى فيه شك ، بإظهار المعجزة وإقامة الأدلة على الوحدانية . ولما كان التقدير : ألم تروا إلى مصارعهم ؟ واتساق الحال في أمرهم ؟ فيكفيكم ذلك زاجرا ، عطف عليه للدلالة على الرجوع إليه منكرا قوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا
بالخطاب في قراءة حمزة والكسائي وفي رواية عن أبي بكر عن عاصم جريا على النسق السابق ، وبالغيب للباقين ، إعراضا للإيذان بالغضب
كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ
أي الذي له كل كمال
الْخَلْقَ
أي يجدد إبداءه في كل لحظة ، وهو بالضم من أبدأ ، وقرىء بالفتح من بدأ ، وهما معا بمعنى الإنشاء من العدم ؛ قال القزاز : أبدأت الشيء أبدئه إبداء - إذا أنشأته ، واللّه المبدىء أي الذي بدأ الخلق ، يقال : بدأهم وأبدأهم ، وفي القاموس : بدأ اللّه الخلق : خلقهم كأبدأ . ورؤيتهم للإبداء موجودة في الحيوان وللإبداء والإعادة في النبات ، ولا فرق في الإعادة بين شيء وشيء فيكون قوله -
ثُمَّ يُعِيدُهُ
أي يجدد إعادته في كل لمحة - معطوفا على
يُبْدِئُ
ولو لم يكن كذلك لكان عطفه عليه من حيث إن مشاهدة حال الابتداء جعلت مشاهدة لحال الإعادة من حيث إنه لا فرق ، ولا حاجة حينئذ إلى تكلف عطفه على الجملة من أولها . ثم حقر أمره بالنسبة إلى عظيم قدرته ، فقال ذاكرا نتيجة الأمر السابق :
إِنَّ ذلِكَ
أي الإبداء والإعادة ، وأكد لأجل إنكارهم
عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ *
لأنه الجامع لكل كمال ، المنزه عن كل شائبة نقص . ولما ساق العزيز الجليل هذا الدليل ، عما حاج به قومه الخليل ، انتهزت الفرصة