الناجين من شر ذلك اليوم ، الظافرين بجميع المراد ، باستمرارهم على طاعتهم إلى الموت ، وإنما لم يقطع له بالفلاح وإن كان مثل ذلك في مجاري عادات الملوك قطعا ، إعلاما بأنه لا يجب عليه سبحانه شيء ليدوم حذره ، ويتقي قضاؤه وقدره ، فإن الكل منه .
ولما كان كأنه قيل : ما لأهل القسم الأول لا يتوخون النجا من ضيق ذلك البلا ، إلى رحب هذا الرجا ، وكان الجواب : ربك منعهم من ذلك ، أو ما لم يقطع لأهل هذا القسم بالفلاح كما قطع لأهل القسم الأول بالشقاء ؟ وكان الجواب : إن ربك لا يجب عليه شيء عطف عليه - إشارة إليه قوله
وَرَبُّكَ
أي المحسن إليك ، بموافقة من وافقك ومخالفة من خالفك لحكم كبار ، دقت عن فهم أكثر الأفكار
يَخْلُقُ ما يَشاءُ
من الهدى والضلال وغيرهما ، لأنه المالك المطلق لا مانع له من شيء من ذلك
وَيَخْتارُ
أي يوقع الاختيار ، لما يشاء فيريد الكفر للأشرار ، والإيمان للأبرار ، لا اعتراض عليه ، فربما ارتد أحد ممن أظهر المتاب ، لما سبق عليه من الكتاب ، فكان من أهل التباب فلا تأس على من فاتك كائنا من كان ، واعلم أنه ما ضر إلا نفسه ، ومن فاتنا يكفيه أنا نفوته .
ولما أفهم هذا أن غيره سبحانه إذا أراد شيئا لم يكن إلا أن يوافق مراده تعالى ، صرح به بقوله :
ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
أي أن يفعلوا أو يفعل لهم كل ما يختارونه من إتيان الرسول بمثل ما أتى به موسى عليه الصلاة والسّلام أو غيره ، اسم من الاختيار ، يقام مقام المصدر ، وهو أيضا اسم المختار ، فهو تعبير بالمسبب عن السبب لأنه إذا خلى عنه كان عقيما فكان عدما ، قال الرازي في اللوامع : وفيه دليل على أن العبد في اختياره غير مختار ، فلهذا أهل الرضى حطوا الرحال بين يدي ربهم ، وسلموا الأمور إليه بصفاء التفويض ، يعني فإن أمرهم أو نهاهم بادروا ، وإن أصابهم بسهام المصائب العظام صابروا ، وإن أعزهم أعزوا أنفسهم وأكرموا ، وإن أذلهم رضوا وسلموا ، فلا يرضيهم إلا ما يرضيه ، ولا يريدون إلا ما يريده فيمضيه :
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة * حبا لذكرك فليلمني اللوم
وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا * ما من يهون عليك ممن أكرم .
ولما كان إيقاع شيء على غير مراده نقصا ، وكان وقوع الشرك سفولا وعجزا ، قال تعالى مشيرا إلى نتيجة هذه الآيات في نفي ذلك عنه :
سُبْحانَ اللَّهِ
أي تنزه الجامع لصفات الكمال عن أن يختار أحد شيئا لا يريده فيصل إليه أو يقع بوجه عليه
وَتَعالى