مصر ، ولعله عرفها إشارة إلى أنه لو قدر على ذلك في غيرها فعل
بِغَيْرِ الْحَقِّ
أي استكبارا مصحوبا بغير هذه الحقيقة ، والتعبير بالتعريف يدل على أن التعظيم بنوع من الحق ليس كبرا وإن كانت صورته كذلك ، وأما تكبره سبحانه فهو بالحق كله ، وعطف على ذلك ما تفرع عنه وعن الغباوة أيضا ولذا لم يعطفه بالفاء ، فقال :
وَظَنُّوا
أي فرعون وقومه ظنا بنوا عليه اعتقادهم في أصل الدين الذي لا يكون إلا بقاطع
أَنَّهُمْ إِلَيْنا
أي إلى حكمنا خاصة الذي يظهر عنده انقطاع الأسباب
لا يُرْجَعُونَ *
أي لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فلذلك اجترؤوا على ما ارتكبوه من الفساد .
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 40 إلى 43 ]
فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 40 ) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ ( 41 ) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ( 42 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 43 )
ولما تسبب عن ذلك إهلاكهم قال :
فَأَخَذْناهُ
أي بعظمتنا أخذ قهر ونقمة
وَجُنُودَهُ
أي كلهم ، وذلك علينا هين ، وأشار إلى احتقارهم بقوله :
فَنَبَذْناهُمْ
أي على صغرهم وعظمتنا
فِي الْيَمِّ
فكانوا على كثرتهم وقوتهم كحصيات صغار قذفها الرامي الشديد الذراع من يده في البحر ، فغابوا في الحال ، وما آبوا ولا أحد منهم إلى أهل ولا مال . ولما سببت هذه الآية من العلوم ، ما لا يحيط به الفهوم ، قال :
فَانْظُرْ
أي أيها المتعرف للآيات الناظر فيها نظر الاعتبار ؛ وزاد في تعظيم ذلك بالتنبيه على أنه مما يحق له أن يسأل عنه فقال :
كَيْفَ كانَ
أي كونا هو الكون
عاقِبَةُ
أي آخر أمر
الظَّالِمِينَ *
وإن زاد ظلمهم ، وأعيى أمرهم ، ذهبوا في طرفة عين ، كأن لم يكونوا ، وغابوا عن العيون كأنهم قط لم يبينوا ، وسكتوا بعد ذلك الأمر والنهي فصاروا بحيث لم يبينوا ، فليحذر هؤلاء الذين ظلموا إن استمروا على ظلمهم أن ينقطعوا ويبينوا ، وهذا إشارة عظيمة بأعظم بشارة بأن كل ظالم يكون عاقبته هكذا إن صابره المظلوم المحق ، ورابطه حتى يحكم اللّه وهو خير الحاكمين .
ولما كان « من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » وكانوا أول من أصر وأطبق في ذلك الزمان على تكذيب الآيات ، وإخفاء الدلالات النيرات ، على