لم يؤمنوا بالآيتين ، ولم يسمعوا قولك فخذ ماء من الأرض ، وفي نسخة : النيل ، فاصببه على الأرض ، فإنه ينقلب ويصير دما في اليبس ، فقال موسى للرب : أطلب إليك يا رب لست رجلا ناطقا منذ أمس ولا قبله ولا من الوقت الذي كلمت عبدك فيه ، لأني ألثغ المنطق عسر اللسان ، فقال له الرب : من الذي خلق المنطق للإنسان ؟ ومن الذي خلق الأخرس والأصم والمبصر والمكفوف ؟ أليس أنا الرب الذي أصنع ذلك ؟ فانطلق الآن وأنا أكون معك ، وراقبا للسانك وألقنك ما تنطق به ، فقال : موسى أطلب إليك يا رب ! أرسل في هذه الرسالة غيري ، فقال : هذا أخوك هارون اللاوي ، قد علمت أنه ناطق لسن ، وهو أيضا سيلقاك ، ويشتد فرحه بك ، وأخبره بالأمر ، ولقنه كلامي ، وأنا أكون راقبا على فيك وفيه وأعلمكما ما تصنعان ، وهو يكلم الشعب عنك ؛ فيكون لك مترجما ، وأنت تكون له إلها ، وفي نسخة : أستاذا ومدبرا ، وخذ في يدك هذه العصا لتعمل بها الآيات ، فرجع موسى منطلقا إلى ثيرو ختنه وقال له : إني راجع إلى إخوتي بمصر ، وناظر هل هم أحياء بعد ؟ فقال : ثيرو لموسى : انطلق راشدا سالما ، وقال الرب لموسى في مدين : انطلق راجعا إلى مصر لأن الرجال الذين كانوا معك يطلبون نفسك قد هلكوا جميعا - إلى آخر ما مضى في الأعراف ، وفي هذا الفصل ما لا يسوغ إطلاقه في شرعنا على مخلوق ، وهو الإله ، وهو في لغة العبرانيين بمعنى العالم والحاكم ، وفيه أيضا أن فرعون مات قبل رجوع موسى فإن كان المراد الذي ربى موسى عليه الصلاة والسّلام في بيته فهو مما بدلوه .
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 36 إلى 39 ]
فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ( 36 ) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 37 ) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 38 ) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ( 39 )
ولما كان التقدير : فأتاهم كما أمر اللّه ، وعاضده أخوه كما أخبر اللّه ، ودعواهم إلى اللّه تعالى ، وأظهرا ما أمرا به من الآيات ، بنى عليه قوله مبينا بالفاء سرعة امتثاله :
فَلَمَّا جاءَهُمْ
أي فرعون وقومه .
ولما كانت رسالة هارون عليه الصلاة والسّلام إنما هي تأييد لموسى عليه الصلاة والسّلام ، أشار إلى ذلك بالتصريح باسم الجائي ، فقال :
مُوسى بِآياتِنا
أي التي أمرناه