تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
الرَّهْبِ
أي من خشية أن تظنها معيبة تخرج كما كانت قبل بياضها في لون جسدك - هذا على أن المراد بالرهب الخوف الذي بهره فأوجب له الهرب ، ويجوز أن يكون المراد بالرهب الكم ، فيكون إدخالها في الفتى - التي ليست موضعها بل الرأس - للبياض ، وإدخالها في الكم - الذي هو لها - لرجوعها إلى عادتها ، وفي البغوي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن اللّه تعالى أمره أن يضم يده إلى صدره فذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية ، وقال : وما من خائف بعد موسى عليه الصلاة والسّلام إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه . وأظهر بلفظ الجناح من غير إضمار تعظيما للمقام وتنبيها على أن عودها إلى حالها الأول آية مستقلة ، وعبر عنها بلفظ الجناح تنبيها على الشكر بتعظيم نفعها . ولما تم كونا آية بانقلابها إلى البياض ثم رجوعها إلى لونها قال :
فَذانِكَ
أي العصي واليد البيضاء ، وشدد أبو عمرو وابن كثير ورويس تقوية لها لتعادل الأسماء المتمكنة ، وذكر لزيادة التقوية
بُرْهانانِ
أي سلطانان وحجتان قاهرتان
مِنْ رَبِّكَ
أي المحسن إليك لا يقدر على مثلهما غيره
إِلى
أي واصلان ، أو أنت مرسل بهما إلى
فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ
كلما أردت ذلك وجدته ، لا أنهما يكونان لك هنا في هذه الحفرة فقط ، ثم علل الإرسال إليهم على وجه إظهار الآيات لهم واستمرارها بقوله مؤكدا تنبيها على أن إقدامه على الرجوع إليهم فعل من يظن أنهم رجعوا عن غيهم ، وإعلاما بمنه عليه بالحماية منهم بهذه البراهين :
إِنَّهُمْ كانُوا
أي جبلة وطبعا
قَوْماً
أي أقوياء
فاسِقِينَ *
أي خارجين عن الطاعة ، فإذا رأوا ذلك هابوك ، فلم يقدروا على الوصول إليك بسوء ، وكنت في مقام أن تردهم عن فسقهم .

[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 33 إلى 35 ]

قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 33 ) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 34 ) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ ( 35 ) ولما كان كأنه قيل : ما فعل بعد رؤية هذه الخوارق ؟ قيل : ثبت ، علما منه بصعوبة المقام وخطر الأمر ، فاشترط لنفسه حتى رضي ، وتلك كانت عادته ثباتا وحزما ، وحلما وعلما ، ألا ترى إلى ما فعل معنا عليه السّلام والتحية والإكرام من الخير ليلة الإسراء في السؤال في تخفيف الصلاة ، ولذلك كله
قالَ رَبِّ
أي أيها المحسن إليّ
إِنِّي
أكده لأن إرسال اللّه سبحانه له فعل من لا يعتبر أن لهم عليه ترة ، فذكر ذلك