تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
الإجماع أنه عليه الصلاة والسّلام سمع تلك الليلة كلام اللّه ، ولو كان ذلك نداء الشجرة لكان المتكلم الشجرة ، وقال التفتازاني شرح المقاصد أن اختيار حجة الإسلام أنه سمع كلامه الأزلي بلا صوت ولا حرف كما ترى ذاته في الآخرة ، بلا كم ولا كيف ، وتقدم في طه أن المراد ما إلى يمين المتوجه من مصر إلى الكعبة المشرفة ، والشجرة قال البغوي : قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : كانت سمرة خضراء تبرق ، وقال قتادة ومقاتل والكلبي : كانت عوسجة ، وقال وهب : من العليق ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : إنها العناب . ثم ذكر المنادي بقوله :
أَنْ يا مُوسى
وأكد لأنه سبحانه لعظمه يحتقر كل أحد نفسه لأن يؤهله للكلام لا سيما والأمر في أوله فقال :
إِنِّي أَنَا اللَّهُ
أي المستجمع للأسماء الحسنى ، والصفات العلى . ولما كان هذا الاسم غيبا ، تعرف بصفة هي مجمع الأفعال المشاهدة للإنسان فقال :
رَبُّ الْعالَمِينَ *
أي خالق الخلائق أجمعين ومربيهم
وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ
أي لأريك فيها آية . ولما كان التقدير : فألقاها فصارت في الحال حية عظيمة ، وهي مع عظمها في غاية الخفة ، بنى عليه قوله :
فَلَمَّا رَآها
أي العصا
تَهْتَزُّ كَأَنَّها
أي في سرعتها وخفتها
جَانٌّ
أي حية صغيرة
وَلَّى مُدْبِراً
خوفا منها ولم يلتفت إلى جهتها ، وهو معنى قوله :
وَلَمْ يُعَقِّبْ
أي موسى عليه الصلاة والسّلام ، وذلك كناية عن شدة التصميم على الهرب والإسراع فيه خوفا من الإدراك في الطلب فقيل له :
يا مُوسى أَقْبِلْ
أي التفت وتقدم إليها
وَلا تَخَفْ
ثم أكد له الأمر لما الآدمي مجبول عليه من النفرة وإن اعتقد صحة الخبر بقوله :
إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ *
أي العريقين في الأمن كعادة إخوانك من المرسلين ؛ ثم زاد طمأنينته بقوله :
أَسْئَلَكَ
أي ادخل على الاستقامة مع الخفة والرشاقة
يَدَكَ فِي جَيْبِكَ
أي القطع الذي في ثوبك وهو الذي تخرج منه الرأس ، أو هو الكم ، كما يدخل السلك وهو الخيط الذي ينظم فيه الدرر ، تنسلك على لونها وما هي عليه من أثر الحريق الذي عجز فرعون عن مداواته ، وأخرجها
تَخْرُجْ بَيْضاءَ
أي بياضا عظيما يكون له شأن خارق للعادات
مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
أي عيب من حريق أو غيره ، فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس ، فالآية من الاحتباك . ولما كان ذلك لا يكون آية محققة لعدم العيب إلا بعودها بعد ذلك إلى لون الجسد قال :
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ
أي إلى جسدك . ولما كان السياق للتأمين من الخوف ، عبر بالجناح ، لأن الطائر يكون آمنا عند ضم جناحه فقال :
جَناحَكَ
أي يدك التي صارت بيضاء ، والمراد بالجناح في آية طه الإبط والجانب لأنه لفظ مشترك
مِنَ