تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 65 إلى 68 ]

قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ( 65 ) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ ( 66 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ ( 67 ) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 68 ) ولما كانت مضمونات هذه البراهين متوقفة على علم الغيب ، لأنه لا يخرج الخبء باختراع الخلق وكشف الضر وإحكام التدبير إلا به ، لأنه لا قدرة أصلا لمن لا علم له ولا تمام لقدرة من لا تمام لعلمه - كما مضى بيانه في طه ، وطالبهم سبحانه آخر هذه البراهين بالبرهان على الشرك ، وكانوا ربما قالوا : سنأتي به ، أمر أن يعلموا أنه لا برهان لهم عليه ، بل البرهان قائم على خلافه ، فقال :
قُلْ
أي لهم أو لكل من يدعي دعواهم :
لا يَعْلَمُ
أحد ، ولكنه عبر بأداة العقلاء فقال :
مَنْ
لئلا يخصها متعنت بما لا يعقل ، وعبر بالظرف تنبيها على أن المظروف محجوب ، وكل ظرف حاجب لمظروفه عن علم ما وراءه ، فقال :
فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ
أي الكامل في الغيبة ، وهو الذي لم يخرج إلى عالم الشهادة أصلا ، ولا دلت عليه أمارة ، ليقدر على شيء مما تقدم في هذه الآيات من الأمور فيعلمه . ولما كان اللّه تعالى منزها عن أن يحويه مكان . جعل الاستثناء هنا منقطعا ، ومن حق المنقطع النصب كما قرأ به ابن أبي عبلة شاذا ، لكنه رفع بإجماع العشرة بدلا على لغة بني تميم ، فقيل :
إِلَّا اللَّهُ
أي المختص بصفات الكمال كما قيل في الشعر :
وبلدة ليس بها أنيس * إلا اليعافير وإلا العيس
بمعنى : إن كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس ، بتا للقول بخلوها من الأنيس ، فيكون معنى الآية : إن كان اللّه جل وعلا ممن في السماوات والأرض ففيهم من يعلم الغيب ، يعني إن علم أحدهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون اللّه منهم ، ويصح كونه متصلا ، والظرفية في حقه سبحانه مجاز بالنسبة إلى علمه وإن كان فيه جمع بين الحقيقة والمجاز ، وعلى هذا فيرتفع على البدل أو الصفة ، والرفع أفصح من النصب ، لأنه من منفي ، وقد عرف بهذا سر كونه لم يقل « لا يعلم أحد الغيب إلا هو » وهو التنبيه على المظروفية والحاجة ، وأن الظرف حجاب ، لا يرتاب فيه مرتاب ، وجعل ابن مالك متعلق الظرف خاصا تقديره : يذكر ، وجعل غيره « من » مفعولا والغيب بدل اشتمال ، والاستثناء مفرغا ، فالتقدير : لا يعلم غيب المذكورين - أي ما غاب عنهم - كلهم غيره . ولما كان الخبر - الذي لم يطلع عليه أحد من الناس - قد يخبر به الكهان ، أو أحد