البحر يخلصون له سبحانه ويتركون شركاءهم ، نبههم على أن ذلك موجب لاعتقاد كون الإخلاص له واجبا دائما ، فأتبعه قوله على سبيل الاستعظام ، معرضا عنهم بإجماع العشرة إعراض من بلغ به الغضب :
تَعالَى اللَّهُ
أي الفاعل القادر المختار الذي لا كفوء له
عَمَّا يُشْرِكُونَ ،
أي فإن شيئا منها لا يقدر على شيء من ذلك ، وأين رتبة العجز من رتبة القدرة .
ولما رتب سبحانه هذه الأدلة على هذا الوجه ترقيا من أعم إلى أخص ، ومن أرض إلى سماء ، ختمها بما يعمها وغيرها ، إرشادا إلى قياس ما غاب منها على ما شوهد ، فلزم من ذلك قطعا القدرة على الإعادة ، فساقها لذلك سياق المشاهد المسلم ، وعد من أنكره في عداد من لا يلتفت إليه فقال :
أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ
أي كله : ما علمتم منه وما لم تعلموا ، ثم بيده لأن كل شيء هالك إلا وجهه ، له هذا الوصف باعترافكم يتجدد أبدا تعلقه . ولما كان من اللازم البين لهم الإقرار بالإعادة لاعترافهم بأن كل من أبدى شيئا قادر على إعادته ، لأن الإعادة أهون ، قال :
ثُمَّ يُعِيدُهُ
أي بعد ما يبيده .
ولما كان الإمطار والإنبات من أدل ما يكون على الإعادة ، قال مشيرا إليهما على وجه عم جميع ما مضى :
وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ
أي بالمطر والحر والبرد وغيرهما مما له سبب في التكوين أو التلوين
وَالْأَرْضِ
أي بالنبات والمعادن والحيوان وغيرهما مما لا يعلمه إلا اللّه ، وعبر عنهما بالرزق لأن به تمام النعمة
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
أي الذي له صفات الجلال والإكرام ، كائن ، أو يفعل شيئا من ذلك .
ولما كانت هذه كلها براهين ساطعة ، ودلائل قاطعة ، وأنوارا لامعة ، وحججا باهرة ، وبينات ظاهرة ، وسلاطين قاهرة ، على التوحيد المستلزم للقدرة على البعث وغيره من كل ممكن ، أمره صلّى اللّه عليه وسلّم إعراضا عنهم ، إيذانا بالغضب في آخرها بأمرهم بالإتيان ببرهان واحد على صحة معتقدهم فقال :
قُلْ
أي لهؤلاء المدعين للعقول
هاتُوا بُرْهانَكُمْ
أي على نفي شيء من ذلك عن اللّه تعالى ، أو على إثبات شيء منه لغيره ، لتثبت دعوى الشركة في الخلق فتسمع دعوى الشركة في الألوهية ، وليكن إتيانكم بذلك ناجزا من غير مهلة ، لأن من يدعي العقل لا يقدر على شيء إلا ببرهان حاضر
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ *
أي في أنكم على حق في أن مع اللّه غيره . وأضاف البرهان إليهم إضافة ما كأنه عنيد ، لا كلام في وجوده وتحققه ، وإنما المراد الإتيان به كل ذلك تهكما بهم وتنبيها على أنهم أبعدوا في الضلال ، وأعرقوا في المحال ، حيث رضوا لأنفسهم بتدين لا يصير إليه عاقل إلا بعد تحقق القطع بصحته ، ولا شبهة في أنه لا شبهة لهم على شيء منه .