ولما علم من هذا الإبهام تهويل الأمر ، سبب عنه سبحانه زيادة في تهويله قوله :
فَانْظُرْ
وزاده عظمة بالإشارة بأداة الاستفهام إلى أنه أهل لأن يسأل عنه فقال :
كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ
فإن ذلك سنتنا في أمثالهم ، ثم استأنف لزيادة التهويل قوله بيانا لما أبهم :
أَنَّا
أي بما لنا من العظمة ، ومن فتح فهو عنده بدل من
عاقِبَةُ
دَمَّرْناهُمْ
أي أهلكناهم ، أي التسعة المتقاسمين ، بعظمتنا التي لا مثل لها
وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ *
لم يفلت منهم مخبر ، ولا كان في ذلك تفاوت بين مقبل ومدبر ، وأين يذهب أحد منهم أو من غيرهم من قبضتنا أو يفر من مملكتنا .
ولما كان يتسبب عن دمارهم زيادة الهول والعرب بالإشارة إلى ديارهم ، لاستحضار أحوالهم ، واستعظامهم بعظيم أعمالهم ، قال :
فَتِلْكَ
أي المبعدة بالغضب على أهلها
بُيُوتُهُمْ
أي ثمود كلهم
خاوِيَةً
أي خالية ، متهدمة بالية ، مع شدة أركانها ، وإحكام بنيانها ، فسبحان الفعال لما يريد ، القادر على الضعيف كقدرته على الشديد .
ولما ذكر الهلاك ، أتبعه سببه في قوله :
بِما ظَلَمُوا
أي أوقعوا من الأمور في غير مواقعها فعل الماشي في الظلام ، كما عبدوا من الأوثان ، ما يستحق الهوان ، ولا يستحق شيئا من التعظيم بوجه ، معرضين عمن لا عظيم عندهم غيره عند الإقسام ، والشدائد والاهتمام ، وخراب البيوت - كما قال أبو حيان - وخلوّها من أهلها حتى لا يبقى منهم أحد مما يعاقب به الظلمة . ثم زاد في التهويل بقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ
أي الأمر الباهر للعقول الذي فعل بثمود
لَآيَةً
أي عظيمة ، ولكنها
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ *
أي لهم علم . وأما من لا ينتفع بها نادى على نفسه بأنه في عداد البهائم .
ولما كان ذلك ربما أوهم أن الهلاك عم الفريقين قال :
وَأَنْجَيْنَا
بعظمتنا
الَّذِينَ آمَنُوا
أو وهم الفريق الذين كانوا مع صالح عليه السّلام كلهم
وَكانُوا يَتَّقُونَ *
أي متصفين بالتقوى اتصافا كأنهم مجبولون عليه ، فيجعلون بينهم وبين ما يسخط ربهم وقاية من الأعمال الصالحة ، والمتاجر الرابحة . وكذلك نفعل بكل من فعل فعلهم ، قيل : كانوا أربعة آلاف ، ذهب بهم صالح عليه السّلام إلى حضر موت ، فلما دخلوها مات صالح عليه السّلام ، فسميت بذلك .
ولما فرغ من قصة القريب الذي دعا قومه فإذا هم قسمان ، بعد الغريب الذي لم يختلف عليه ممن دعاهم اثنان ، اتبعها بغريب لم يتبعه ممن دعاهم إنسان ، فقال دالا على أنه له سبحانه الاختيار ، فتارة يجري الأمور على القياس ، وأخرى على خلاف الأساس ، الذي تقتضيه عقول الناس ، فقال :
وَلُوطاً
أي ولقد أرسلناه ؛ وأشار إلى