تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
صالح عليه السّلام فضلا عن أن نكون شهدنا مهلك صالح أو باشرنا قتله ولا موضع إهلاكهم . ولما كانت الفجيعة من وليه بهلاكه - عليه السّلام - أكثر من الفجيعة بهلاك أهله وأعظم ، كان في السياق بالإسناد إلى الولي - على تقدير كون الضمير لصالح عليه السّلام - أتم إرشاد إلى أن التقدير : ولا مهلكه . ولما كانوا قد صمموا على هذا الأمر ، وظنوا أنفسهم على المبالغة في الحلف والاجتراء على الكذب فقالوا :
وَإِنَّا
أي ونقول في جملة القسم تأكيدا للقسم ، إيهاما لتحقق الصدق : وإنا
لَصادِقُونَ *
فيا للعجب من قوم إذا عقدوا اليمين فزعوا إلى اللّه العظيم ، ثم نفروا عنه نفور الظليم ، إلى أوثان أنفع منها الهشيم .

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 50 إلى 58 ]

وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 50 ) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ( 51 ) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 52 ) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 53 ) وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ( 54 ) أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ( 55 ) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ( 56 ) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ ( 57 ) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ( 58 ) ولما كان هذا منهم عمل من لا يظن أن اللّه عالم به ، قال تعالى محذرا أمثالهم عن أمثال ذلك :
وَمَكَرُوا مَكْراً
أي ستروا سترا عظيما أرادوا به الشر بهذه المساومة على المقاسمة ، فكان مكرهم الذي اجتهدوا في ستره لدينا مكشوفا وفي حضرتنا معروفا وموصوفا ، فشعرنا بل علمنا به فأبطلناه
وَمَكَرْنا مَكْراً
أي وجزينانهم على فعلهم بما لنا من العظمة شيئا هو المكر في الحقيقة فإنه لا يعلمه أحد من الخليقة ، ولذلك قال :
وَهُمْ
مع اعتنائهم بالفحص عن الأمور . والتحرز من عظائم المقدور
لا يَشْعُرُونَ *
أي لا يتجدد لهم شعور بما قدرناه عليهم بوجه ما ، فكيف بغيرهم ، وذلك أنا جعلنا تدميرهم في تدبيرهم ، فلم يقدروا على إبطاله ، فأدخلناهم في خبر كان ، لم يفلت منهم إنسان ، وأهلكنا جميع الكفرة من قومهم في أماكنهم مساكنهم أو غير مساكنهم ، وأما مكرهم فكانوا على اجتهادهم في إتقانه ، وإحكام شأنه ، قد جوزوا فيه سلامة بعض من يقصدونه بالإهلاك ، فشتان بين المكرين ، وهيهات هيهات لما بين الأمرين ، وقد ظهر أن الآية إما احتباك أو شبيهة به : عدم الشعور دال على حذف عدم الإبطال من الثاني ، وعلى حذف الشعور والإبطال الذي هو نتيجته من الأول .