تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
التصريح بضميرها ، وتعميما لكل من يهتم بأمرها ويطيعها
فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ
أي طاقة
لَهُمْ بِها
أي بمقابلتها لمقاومتها وقلبها عن قصدها ، أي لا يقدرون أن يقابلوها
وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها
أي من بلادهم
أَذِلَّةً .
ولما كان الذل قد يكون لمجرد الانقياد ، لا على سبيل الهوان ، حقق المراد بقوله :
وَهُمْ صاغِرُونَ *
أي لا يملكون شيئا من المنعة إن لم يقروا بالإسلام . ولما ذهب الرسل ، وعلم صلّى اللّه عليه وسلّم مما رأى من تصاغرهم لما رأوا من هيبته وجلاله الذي حباه به ربه وعظمته أنهم يأتون بها مذعنة
قالَ
لجماعته تحقيقا لقوله :
وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
لإعلامه بأنها استوثقت من عرشها :
يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا
أي الأشراف
أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها
لترى بعض ما آتاني اللّه من الخوارق ، فيكون أعون على متابعتها في الدين ، ولآخذه قبل أن يحرم أخذه بإسلامها ، وأختبر به عقلها
قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي
أي هي وجماعتها
مُسْلِمِينَ *
أي منقادين لسلطاني ، تاركين لعز سلطانهم ، منخلعين من عظيم شأنهم ، ليكون ذلك أمكن في إقامة الحجة عليها في نبوتي وأعون على رسوخ الإيمان في قلبها وإخلاصها فيه
قالَ عِفْرِيتٌ .
ولما كان هذا اللفظ يطلق على الأسد ، وعلى المارد القوي ، وعلى الرجل النافذ في الأمر المبالغ فيه مع دهاء وقوة - وقال الرازي : مع خبث ومكر - وعلى غيره ، بينه بأن قال :
مِنَ الْجِنِّ أَنَا
الداهية الغليظ الشديد
آتِيكَ بِهِ
ولما علم أن غرضه الإسراع قال :
قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ
أي مجلسك هذا ، ثم أوثق الأمر وأكده بقوله :
وَإِنِّي عَلَيْهِ
أي الإتيان به سالما
لَقَوِيٌّ
لا يخشى عجزي عنه
أَمِينٌ *
لا يخاف انتقاضي شيئا منه . ولما كانت القصة لإظهار فضل العلم المستلزم للحكمة ، دلالة على أنه تعالى حكيم عليم ، ترغيبا في القرآن ، وحثا على ما أفاده من البيان ، قال حاكيا لذلك استئنافا جوابا لاستشرافه صلّى اللّه عليه وسلّم لأقرب من ذلك :
قالَ الَّذِي عِنْدَهُ .
ولما كان لكتب اللّه من العظمة ما لا يحيطه إلا اللّه ، أشار إلى ذلك بتنكير ما لهذا الذي يفعل مثل هذا الخارق العظيم من ذلك فقال :
عِلْمٌ
تنبيها على أنه اقتدر على ذلك بقوة العلم ليفيد ذلك تعظيم العلم والحث على تعلمه ، وبين أن هذا الفضل إنما هو للعلم الشرعي فقال :
مِنَ الْكِتابِ
أي الذي لا كتاب في الحقيقة غيره ، وهو المنسوب إلينا ، وكأنه الذي كان شهيرا في ذلك الزمان ، ولعله التوراة والزبور ، إشارة إلى أن من خدم كتابا حق الخدمة كان اللّه - تعالى كما ورد في شرعنا - « 1 » سمعه الذي
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 6502 عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه .