على طريق الملاطفة .
فَناظِرَةٌ
عقب ذلك وبسببه
بِمَ
أي بأي شيء
يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ *
بتلك الهدية عنه من المقال أو الحال ، فنعمل بعد ذلك على حسب ما نراه من أمره ، فنكون قد سلمنا من خطر الإقدام على ما لم نعرف عاقبته ، ولم يضرنا ما فعلنا شيئا .
ولما كان التقدير : فأرسلت بالهدية ، وهي فيما يقال خمسمائة غلام مرد ، زينتهم بزي الجواري ، وأمرتهم بتأنيث الكلام ، وخمسمائة جارية في زي الغلمان ، وأمر لهم بتغليظ الكلام . وجزعة معوجة الثقب ، ودرة غير مثقوبة - وغير ذلك ، وسألته أن يميز بين الغلمان والجواري ، وأن يثقب الدرة ، وأن يدخل في الجزعة خيطا ، فأمرهم بغسل الوجوه والأيدي ، فكانت الجارية تأخذ الماء بإحدى يديها ثم تنقله إلى الأخرى ثم تضرب الوجه وتصب الماء على باطن ساعدها صبا ، وكان الغلام كما يأخذ الماء يضرب به وجهه ويصب الماء على ظهر الساعد ويحدره على يديه حدرا ، وأمر الأرضة فثقبت الدرة ، والدودة فأدخلت السلك في الثقب المعوج ، رتب عليه قوله مشيرا بالفاء إلى سرعة الإرسال :
فَلَمَّا جاءَ
أي الرسول الذي بعثته وأرسلته ، والمراد به الجنس ؛ قال أبو حيان : وهو يقع على الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث .
سُلَيْمانَ
فدفع إليه ذلك
قالَ
أي سليمان عليه السّلام للرسول ولمن في خدمته استصغارا لما معه :
أَ تُمِدُّونَنِ
أي أنت ومن معك ومن أرسلك
بِمالٍ
وإنما قصدي لكم لأجل الدين ، تحقيرا لأمر الدنيا وإعلاما بأنه لا التفات له نحوها بوجه ، ولا يرضيه شيء دون طاعة اللّه . ثم سبب عنه ما أوجب له استصغار ما معه فقال :
فَما آتانِيَ اللَّهُ
أي الملك الأعظم الذي له جميع الكمال من المال والجلال بالنبوة والملك والقرب منه سبحانه ، وهو الذي يغني مطيعه عن كل ما سواه ، فمهما سأله أعطاه ، وذلك أنه صف الشياطين والإنس والسباع والوحش والطير والهوام صفوفا فراسخ عدة ، وبسط المكان كله بلبن الذهب إلى غير ذلك مما يليق به
خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ
أي من الملك الذي لا نبوة فيه ، ولا تأييد من اللّه .
ولما كان التقدير : ولكنكم لا تعلمون أن هديتكم مما يزهد فيه لتقيدكم بظاهر من الحياة الدنيا ، نسق عليه قوله :
بَلْ أَنْتُمْ
أي بجهلكم لذلك تستعظمون ما أنتم فيه ، فأنتم
بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ *
بتجويزكم أن الدنيا تردني عنكم لأنها غاية قصدي ، ويجوز أن يراد أنكم تفرحون بما يهدى إليكم فتتركون من كنتم تريدون غزوه لأجل ما آتاكم منه من الدنيا ، فحالي خلاف حالكم ، فإنه لا يرضيني إلا الدين . ثم أفرد الرسول إرادة لكبيرهم بقوله :
ارْجِعْ
وجمع في قوله :
إِلَيْهِمْ
إكراما لنفسه ، وصيانة لاسمها عن