تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
ولما كان هذا الضلال عجبا في نفسه فضلا عن أن يكون من قوم يجمعهم جامع ملك مبناه السياسة التي محطها العقل الذي هو نور الهداية ، ودواء الغواية ، علله بانتفاء أعظم مقرب إلى اللّه : السجود ، تعظيما له وتنويها به فقال :
أَلَّا
أي لئن لا
يَسْجُدُوا
أي حصل لهم هذا العمى العظيم الذي استولى به عليهم الشيطان لانتفاء سجودهم ، ويجوز أن يتعلق بالتزيين ، أي زين لهم لئلا يسجدوا
لِلَّهِ
أي يعبدوا الذي له الكمال كله بالسجود الذي هو محل الأنس ، ومحط القرب ، ودارة المناجاة ، وآية المعافاة ، فإنهم لو سجدوا له سبحانه لاهتدوا ، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ففات الشيطان ما يقصده منهم من الضلال ، وعلى قراءة الكسائي وأبي جعفر بالتخفيف وإشباع فتح الياء يكون استئنافا ، بدىء بأداة الاستفتاح تنبيها لهم على عظم المقام لئلا يفوت الوعظ أحدا منهم بمصادفته غافلا ، ثم نادى لمثل ذلك وحذف المنادي إيذانا بالاكتفاء بالإشارة لضيق الحال ، خوفا من المبادرة بالنكال عن استيفاء العبارة التي كان حقها : : ألا يا هؤلاء اسجدوا للّه ، أي لتخلصوا من أسر الشيطان ، فإن السجود مرضاة للرحمن ، ومجلاة للعرفان ، ومجناة لتمام الهدى والإيمان . ولما كانت القصة في بيان علمه سبحانه السابق لعلم الخلائق المستلزم للحكمة ، وصفه بما يقتضي ذلك فقال :
الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ
وهو الشيء المخبوء بالفعل المخفي في غيره ، وهو ما وجد وغيب عن الخلق كالماء الذي في بطن الأرض ، أو بالقوة وهو ما لم يوجد أصلا ، وخصه بقوله :
فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
لأن ذلك منتهى مشاهدتنا ، فننظر ما يتكون فيهما بعد أن لم يكن من سحاب ومطر ونبات وتوابع ذلك من الرعد والبرق وغيرهما ، وما يشرق من الكواكب ويغرب - إلى غير ذلك من الرياح ، والبرد والحر ، الحركة والسكون ، والنطق والسكوت ، وما لا يحصيه إلا اللّه تعالى ، والمعنى أنه يخرج ما هو في عالم الغيب فيجعله في عالم الشهادة . ولما كان ذلك قد يخص بما لم يضمر في القلوب كالماء الذي كان يخرجه الهدهد وكان ذلك قد يعرف بأمارات ، وكان ما تضمره القلوب أخفى ، قال : ( ويعلم ما يخفون ) ولما كان هذا مستزما لعلم الجهر ، وكان للتصريح ما ليس لغيره من المكنة والطمأنينة ، مع أن الإعلان ربما كان فيه من اللغط واختلاط الأصوات ما يمنع المستمع من العلم ، قال :
وَما
يعلنون * أي يظهرون . ولما كان هذا الوصف موجبا لأن يعبد سبحانه وحده ، صرح بما يقتضيه في قوله ؛
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 421 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي