إنما هو كظم الغيظ وستر الشكوى وإن كان باطنه شاكيا ، والكظم إنما هو لرعاية الأدب بالسلوك في مسلك العلم ، فإنه يأمر العبد بالشكر في السراء والضراء والثالثة : أن لا يشهد العبد إلا المنعم باشتغاله بالاستغراق في مشاهدته عن مشاهدة النعمة ، وهذا الشهود على ثلاثة أقسام : أحدها أن يستغرق فيه عبودة ، فيكون مشاهدا له مشاهدة العبد للسيد بأدب العبيد إذا حضروا بين يدي سيدهم ، فإنهم ينسون ما هم فيه من الجاه والقرب الذي ما حصل لغيرهم ، باستغراقهم في الأدب ، وملاحظتهم لسيدهم خوفا من أن يسير إليهم في أمر فيجدهم غافلين ، وهذا أمر معروف عند من صحب الملوك .
فصاحب هذا الحال إذا أنعم عليه سيده في هذه الحالة ، مع قيامه في حقيقة العبودة ، استعظم الإحسان ، لأن العبودة توجب عليه أن يستصغر نفسه . ثانيها أن يشهد سيده شهود محبة غالبة ، فهو يسبب هذا الاستغراق فيه ، يستحلي منه الشدة ، وقد قال بعض عشاق حسن الصورة لا صورة الحسن فأحسن :
من لم يذق ظلم الحبيب كظلمه * حلوا فقد جهل المحبة وادعى .
ثالثها : أن يشهد شهود تفريد يرفع الثنوية ويفني الرسم ويذهب الغيرية ، فإذا وردت عليه النعمة أو الشدة كان مستغرقا في الفناء فلم يحس بشيء منهما .
ولما علم من هذا كله أن الشاكر هو المستغرق في الثناء على المنعم بما يجب عليه من العمل من فناء أو غيره بحسب ما يقدر عليه ، وكان ذلك العمل مما يجوز أن يكون زين لذلك العبد كونه حسنا وهو ليس كذلك ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم مشيرا إلى هذا المعنى :
وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً
أي في نفس الأمر . ولما كان العمل الصالح قد لا يرضي المنعم لنقص في العامل كما قيل في معنى ذلك :
إذا كان المحب قليل حظ * فما حسناته إلا ذنوب
قال :
تَرْضاهُ .
ولما كان العمل الصالح المرضي قد لا يعلى إلى درجة المرضي عنهم ، لكون العامل منظورا إليه بعين السخط ، لكونه ممن سبق عليه الكتاب بالشقاء ، لأن الملك المنعم تام الملك عظيم الملك فهو بحيث لا يسأل عما يفعل ، قال معرضا عن عمله معترفا بعجزه ، معلما بأن المنعم غني عن العمل وعن غيره ، لا تضره معصية ولا ينفعه طاعة :
وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ
أي لا بعملي
فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ *
أي لما أردتهم له من تمام النعمة بالقرب والنظر إليهم بعين العفو والرحمة والرضا .