ولما فرغ من نصيحة أقرب الناس إليه وأحقهم بنصيحته وحفظه على الهدى إذ كان رأس الهداة ، تشوف السامع إلى ما كان من غيره ، فاستأنف تعالى ذكره بقوله :
قالَ
أي موسى عليه السّلام لرأس أهل الضلال معرضا عن أخيه بعد قبول عذره .
جاعلا ما نسب إليه سببا لسؤاله عن الحامل له عليه :
فَما خَطْبُكَ
أي أمرك هذا العجيب العظيم الذي حملك على ما صنعت وأخبرني العزيز العليم أنك أنت أضللتهم به
يا سامِرِيُّ * قالَ
السامري مجيبا له :
بَصُرْتُ
من البصر والبصيرة
بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ
من أمر الرسول الذي أجاز بنا البحر
فَقَبَضْتُ
أي فكان ذلك سببا لأن قبضت
قَبْضَةً
أي مرة من القبض ، أطلقها على المقبوض تسمية للمفعول بالمصدر
مِنْ أَثَرِ
فرس ذلك
الرَّسُولِ
أي المعهود
فَنَبَذْتُها
في الحلي الملقى في النار ، أو في العجل
وَكَذلِكَ
أي وكما سولت لي نفسي أخذ أثره
سَوَّلَتْ
أي حسنت وزينت
لِي نَفْسِي *
نبذها في الحلي فنبذتها ، فكان منها ما كان ، ولم يدعني إلى ذلك داع ولا حملني عليه حامل غير التسويل .
ولما كان فعله هذا مفرقا لبني إسرائيل عن طريق الحق التي كانوا عليها ، وجامعا لهم على تمثال حيوان هو من أخس الحيوانات ، وعلى نفسه بكونه صار متبوعا في ذلك الضلال ، لكونه كان سببه ، عوقب بالنفرة من الإنسان الذي هو أشرف الحيوان ، ليكون ذلك سببا لضد ما تسبب عن فعله ، فيعاقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أشد منها وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعا كليا فلا يتصل بأحد ولا يتصل به أحد ، بل يكون وحيدا طريدا ما دام حيا ، فلذلك استؤنف الإخبار عن هذا بقوله تعالى :
قالَ
أي له موسى عليه السّلام :
فَاذْهَبْ
أي تسبب عن فعلك أني أقول لك : اذهب من بيننا ، أو حيث ذهبت
فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ
أي ما دمت حيا
أَنْ تَقُولَ
لكل من رأيته :
لا مِساسَ
أي لا تمسني ولا أمسك ، فلا تقدر أن تنفك عن ذلك لإرادة الإله الحق ذلك بك وترغيبك فيه - بما أفادته اللام ، لتعلم أنت ومن تبعك أنكم كنتم على أعظم ضلال في ترك القادر على كل شيء ، واتباع ما لا قدرة له على شيء
وَإِنَّ لَكَ
بعد الممات
مَوْعِداً
للثواب إن تبت ، وللعقاب إن أبيت
لَنْ تُخْلَفَهُ
مبنيا للفاعل وللمفعول ، أي لا يكون خلفك ولا تكون أنت خلفه ، بل يكون كل منكما مواجها لصاحبه ، لا انفكاك له عنه ، كما أنك في الحياة لا تقدر أن تنفك عن النفرة من الناس ، فاختر لنفسك ما يحلو .
ولما ذكر ما للإله الحق من القدرة التامة في الدارين ، أتبعه عجز العجل فقال :
وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ
أي بزعمك
الَّذِي ظَلْتَ
أي دمت في مدة يسيرة جدا بما أشار إليه